بين أشجار محملة بالثمار وجيوب مثقلة بالأعباء، يدخل مزارعو الزيتون في سورية موسم 2026 وسط مفارقة قاسية؛ محصول وفير لكنه لا يضمن مردوداً مجزياً، وأجور عصر مرتفعة تهدد بتحويل موسم الرزق إلى موسم جديد من الخسائر، فيما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة الإنتاج والتسعير.
قدّرت وزارة الزراعة إنتاج الزيتون بنحو 954,730 طناً، مقابل 412 ألف طن في الموسم الماضي، مع توقع إنتاج قرابة 190,946 طناً من الزيت، لكن هذه الوفرة تبقى رقماً ناقص الدلالة ما لم تنعكس تحسناً في دخل المنتج وانخفاضاً ملموساً في كلفة المؤونة.
كما تتراوح أجور عصر الزيتون هذا الموسم بين 7 -9 ليرات سورية جديدة للكيلوغرام الواحد، نقداً، أو بين 7 و9% من كمية الزيت الناتج، وتختلف هذه الأجور من محافظة لأخرى بحسب آلية النقل والشروط المحددة وترتيبات تتعلق بمادة البيرين، وبالمقارنة مع الأجور المتداولة في الموسم الماضي التي تراوحت بين 2-6 ليرات سورية، تبدو كلفة العصر(التي ارتفعت تقريباً بنسبة 25-50%) مرشحة لاقتطاع حصة أكبر من دخل المزارع، الذي يتحمل أصلاً نفقات القطاف والعمال والنقل والعبوات وخدمة الأشجار، ولا تكفي وفرة الثمار وحدها للحكم على نجاح الموسم، خصوصاً مع شكاوى المزارعين من ضعف مردود الزيت قياساً بكمية الزيتون المعصورة، ما يعني أن المزارع قد يدفع أكثر ليحصل على كمية أقل من المنتج النهائي.
المفارقة أن انخفاض سعر صفيحة الزيت، وفق الأسعار المتداولة، إلى نحو 700–800 ألف ل.س (لسعة 16 كيلوغراماً) مقارنة بالعام الفائت حيث وصلت إلى 1200 ألف ل.س، لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للمستهلك، ولا يثبت أن المنتج يبيع بخسارة أو يحقق ربحاً؛ فالحكم يتطلب مقارنة السعر بكامل تكاليف الإنتاج والعائد الفعلي من العصر.
وبين كلفة تتصاعد ودخل محدود، قد يجد المزارع نفسه عاجزاً عن تغطية نفقاته، فيما تضطر أسر كثيرة إلى تقليص مؤونة الزيت أو استهلاكه.
المشكلة أعمق من أجرة معصرة، إنها خلل في منظومة إنتاج تترك المزارع مكشوفاً أمام التكاليف، والمستهلك أمام الأسعار. والمطلوب ليس تسعيرة شكلية، بل رقابة شفافة على الأجور والتقيد بها من أصحاب المعاصر، ونشر بيانات التكاليف والمردود، ودعم مستلزمات الإنتاج والطاقة والنقل، وإقامة آليات تسويق عادلة تقلص حلقات الوساطة وتحمي الفلاح والمواطن من الاستغلال.
فالموسم الناجح ليس ما تمتلئ فيه الصناديق بالثمار، بل ما يضمن للمزارع عائداً كريماً وللأسرة زيتاً تستطيع شراءه، وما دون ذلك، تبقى الوفرة على الأشجار، فيما يتقاسم الفقر خسائرها بين الحقل والمائدة.