Skip to main content

حلب... فيضان الصرف الصحي الملازم للأمطار

 |  قاسيون  |  محليات

فجرت الأمطار الغزيرة التي شهدتها حلب مطلع هذا الشهر تناقضات متراكمة عمرها سنوات. فبينما غمرت الأمطار المختلطة بمياه الصرف الصحي شوارع المدينة، ووصلت إلى المنازل والمحال التجارية، ظهرت بصورة صارخة أزمة بنيوية عميقة تتجاوز بكثير «كارثة الطقس».

فقد تركزت الأضرار في أحياء كرم الجزماتي وسيف الدولة وصلاح الدين، حيث علقت السيارات وتغيرت مسارات النقل وشُلّت حركة المشاة، واللافت أن مياه الصرف الصحي ظلت تغطي شوارع دوار الجزماتي بالكامل حتى بعد انحسار موجة الأمطار، مع خروجها المستمر من الريكارات وانتشار الجرذان. ويؤكد هذا الواقع الميداني أن المشكلة لا تكمن في كمية الأمطار، بل في بنية تحتية تجاوزها الزمن وتآكلت تحت وطأة الحرب والإهمال.
وتُظهر خريطة الفيضانات تمييزاً صارخاً بين أحياء المدينة؛ فالأضرار تركزت في الأحياء الشرقية، ولا سيما سيف الدولة وكرم الجزماتي، وهذه الأحياء – التي تضم أعداداً كبيرة من ذوي الدخل المحدود والنازحين – لا تزال تفتقر إلى كهرباء منتظمة والمياه وخدمات الصرف الصحي.
ما يعني أن الفقراء يدفعون ثمن انهيار البنية التحتية مرتين؛ مرة بفقدان الخدمات، ومرة بالتعرض المباشر للأضرار الصحية والمادية.
وأخطر ما في هذه الأزمة ليس الفيضانات ذاتها، بل اختلاط مياه الصرف بمياه الشرب، وتكاثر نواقل الأمراض، خاصة بعد أن سجلت حلب هذا العام حالات مرضية مرتبطة مباشرة بتسربات مياه الصرف، بينها أمراض جلدية، وإصابات الليشمانيا، وأمراض الجهاز الهضمي، والحمى التيفية.
ورغم تحرك فرق الخدمة الميدانية لشفط المياه وصيانة بعض الخطوط، إلا أن هذه الحلول تدير الأعراض لا أكثر. خاصة عندما تنشأ مركزية إدارية تجزئ القدرة الفنية بدل أن توحدها وتقويها، بعد دمج الشركة العامة للصرف الصحي في حلب – التي كانت تمتلك قطاعات وكوادر فنية وآليات – ضمن المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي، ما أدى إلى تراجع القدرة المؤسسية على الصيانة والتشغيل.
ولن تتلاشى الأزمة بمواسم الأمطار المقبلة ما لم يُعالج جذرها، بداية عبر استثمار عادل في البنية التحتية للأحياء المهمّشة، وإعادة بناء القدرة المؤسسية الفنية، وربط سياسات التخطيط العمراني والصناعي بواقع الشبكات القائمة، وإلا ستبقى الأزمة تُدار بأعمال «طارئة» متكررة.