Skip to main content

التراث السوري ضحية التسليع و«الاستثمار»

 |  قاسيون  |  محليات

بات واضحاً أن التحول من حماية التراث إلى «استثماره» يجري في غياب إطار قانوني ومؤسسي شفاف. حيث تتوسع السلطة في طرح مواقع أثرية للاستثمار الخاص، من دون إعلان مسبق أو نقاش عام، فلا يُكشف رسمياً عن المشاريع إلا بعد نشر مواطنين وإعلاميين وآثاريين تفاصيل عنها.

ويعد طرح قصر الزهراوي في حمص مثالاً نموذجياً لهذا النهج، فقد وقعت وزارة الثقافة عقداً بقيمة 6,3 مليار ليرة (نحو 46 مليون دولار) مع شركة الطائر التجارية، لترميم وتأهيل قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين في حمص.
وما يثير العجب أن «الطائر» التي تأسست هذا العام – أي 2026 – تختص في التجارة العامة والصناعات الغذائية، وتفتقر تماماً لأي خبرة أو اختصاص معتمد في ترميم الآثار أو الهندسة التاريخية، ما يثير أسئلة مشروعة حول المحسوبيات، ولا سيما أن وزارة الثقافة لم تستفد من منح اليونيسكو المجانية وخبرتها في هذا المجال.
وإلى جانب قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين، طُرحت مواقع أخرى مثل قصر أنطوان طرابلسي في حي بستان الديوان بحمص، ومركز صبحي شعيب للفن التشكيلي.
والسؤال هنا: هل تتعامل السلطة مع التراث «كملكية عامة» تحتاج إلى حماية ومشاركة مجتمعية، أم تراه «أصلاً استثمارياً» يخضع لمنطق السوق والامتيازات الخاصة؟
بالإضافة إلى أن إدراج هذه المشاريع ضمن سياسات «النهضة السياحية» تعدٍّ واضح على إرث يمتلكه الشعب السوري، فهي تستهدف قلة قليلة من السياح والأثرياء، وتحرم عموم الشعب من حقهم في تراثهم الوطني. وتغيير طابع القصور الأثرية إلى مطاعم وفنادق يحول الذاكرة إلى سلعة تجارية. ناهيك عن إدخال تعديلات إنشائية لتجهيز مطابخ ومرافق حديثة تهدد البنية التاريخية للمباني.
وعندما يُسند التراث إلى غير المختصين، ويُدار بمنطق الربح؛ فتُمنح عقود بمليارات الليرات لشركات تجارية حديثة العهد، من دون تنسيق مع اليونسكو (التي سبق وأن أعربت عن قلقها من تحويل خان أسعد شباشا إلى فندق من دون تقديم السلطة للوثائق اللازمة)، ودون إعلان مسبق للمواطنين، تتجاوز المسألة الحفاظ على التراث، ويصبح السؤال الملحّ: لمن يُباع التراث، وبأيّ حق؟!