Skip to main content

الذرة الصفراء في الرقة، من ينقذ الموسم؟!

 |  رهف ونوس  |  محليات

ليس أصعب على المزارع من أن ينفق ما لا يملك ليزرع أرضه، ثم يجد محصوله عالقاً بين قرار يمنع تجفيفه على الطرق ومجففات لا يستطيع تحمّل تكاليفها.

ففي الرقة، لا تكشف أزمة الذرة الصفراء مجرد مشكلة تنظيمية، بل تفضح خللاً أعمق في إدارة الإنتاج الزراعي، حيث تُفرض القيود قبل تأمين البدائل، ويُترك المنتج الصغير لمواجهة الخسارة وحده.
ففي 11 تشرين الأول 2026، صدر تعميم عن إدارة المنطقة يمنع نشر الذرة الصفراء وتجفيفها على الطرق العامة والرئيسية والفرعية، بذريعة السلامة المرورية.
وهي غاية مشروعة، لكن بأي منطق يُطالَب المزارع بالالتزام بينما المجفف الحكومي الوحيد يعاني أعطالاً، والبدائل الخاصة تستنزف دخله؟ وبحسب مزارعين، تتجاوز كلفة التجفيف والنقل 30 دولاراً للطن، في وقت لا توجد فيه آلية واضحة تضمن استلام المحصول وتسويقه بسعر مجزٍ.
المفارقة أن هذه الأزمة تأتي فوق موسم مثقل أصلاً بالأعباء، فارتفعت كلفة زراعة الدونم من نحو 100 دولار العام الماضي إلى 185 دولاراً، فيما تراوحت كلفة طن اليوريا بين 720 و740 دولاراً، كما تراجعت المساحات المزروعة بنحو 50% هذا الموسم ـ أي إن الأزمة لا تهدد أرباحهم فحسب، بل تدفعهم إلى الانسحاب من الإنتاج.
وحين تتراجع الذرة، وهي مادة أساسية في صناعة الأعلاف، أي إن تراجع إنتاجها المحلي يهدد بزيادة الاعتماد على الاستيراد، كما لا تبقى الخسارة في الحقول بل تمتد إلى ارتفاع أسعار اللحوم والبيض والحليب، وصولاً إلى موائد المواطنين المفقرين. كذلك تأخير التجفيف أو تنفيذه بطرق غير ملائمة يعرّض الحبوب للتلف والفطريات، وفق إرشادات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
المطلوب ليس استثناءً من القانون، بل تغييرٌ في ترتيب الأولويات، بتشغيل المجفف الحكومي فوراً، وتأمين مواقع تجفيف آمنة ومجانية أو مدعومة، وضمان شراء المحصول بأسعار عادلة، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة.
أما تحميل المزارع وحده كلفة غياب هذه المنظومة، فليس تنظيماً للقطاع الزراعي، بل تعميقٌ لأزمته، وخدمة لتحالف مصالح كبار المسؤولين وأصحاب المجففات الخاصة والسماسرة وكل من يستفيد من تحويل الزراعة إلى أرض خصبة للفساد والريع.
فحين تتراجع الزراعة وتُترك الأرض بوراً، لا يخسر المزارع وحده؛ يخسر المجتمع أمنه الغذائي، ويدفع المواطن المفقر الثمن من قوته اليومي.
لا يمكن حماية الطرقات بتجفيف فرص العيش، ولا بناء الأمن الغذائي بقرارات تمنع المشكلة من دون معالجة أسبابها.