Skip to main content

البيوت البلاستيكية... المزارع يزرع والدَّين يحصد!

 |  قاسيون  |  محليات

حين تتحول مستلزمات الإنتاج إلى عبء يفوق قدرة المزارعين، والتسويق إلى مقامرة بأسعار المحاصيل، يصبح استمرار الزراعة المحمية في الساحل السوري معركة يومية من أجل البقاء، لا طريقاً مضموناً للرزق.

في ريف بانياس وطرطوس، لا يبدأ الموسم الزراعي من الأرض وحدها، بل من دفتر الديون، فقد ارتفع سعر بكرة النايلون من 200 إلى 260 دولاراً، أي بنسبة 30%، بالتوازي مع زيادة أسعار البذار والأسمدة والأدوية الزراعية بنحو 20%، وفق تصريح مدير زراعة طرطوس، والنتيجة أن نحو 80% من المزارعين يشترون مستلزمات الإنتاج بالدَّين، قبل أن يعرفوا إن كان محصولهم سيغطي نفقاتهم أم سيضيف خسارة جديدة إلى خسائرهم.
ليست هذه أرقاماً عابرة، إنها مؤشرات إلى اختلال منظومة زراعية يُترك فيها المنتج وحيداً أمام ارتفاع تكاليف الإنتاج ثم أمام العواصف والأمراض وتقلبات الأسعار.
وقد يخسر المزارع موسماً كاملاً بسبب تلف الأغطية أو إصابة التربة، فيما تبقى الديون قائمة، كأن المخاطر مسؤولية فردية، لا قضية تمس الأمن الغذائي ومصادر رزق آلاف الأسر.
وحسب مدير الزراعة، في بانياس وحدها، يبلغ عدد البيوت المحمية 44,824 بيتاً، وتستحوذ البندورة على نحو 90% منها.
وهذا التركّز، مع ضعف منافذ التسويق واحتمال تدفق المنتجات المستوردة في ذروة الإنتاج-كما يحدث كل موسم- يجعل المزارع رهينة سوق لا يملك التحكم بها؛ يشتري مستلزماته بأسعار مرتفعة، وقد يبيع محصوله بسعر لا يغطّي كلفته.
المشكلة إذاً ليست في المزارع، بل في منظومة تتركه يتحمل الكلفة والمخاطر وحده، بينما تتراجع الحماية العامة والدعم إلى حدود لا تتناسب مع أهمية الزراعة. ولا يكفي الإرشاد الزراعي أو القروض الموسمية إذا كانت ستعيد إنتاج المديونية بدلاً من كسرها.
المطلوب ليس ترقيعاً موسمياً، بل تغيير في السياسة الزراعية وأولوياتها، دعم مباشر لمستلزمات الإنتاج، وتوفير المحروقات والكهرباء بأسعار مدعومة، وتمويل ميسّر لا يغرق المزارع في الديون، وتأمين زراعي وتعويض فعلي عن الكوارث، إلى جانب تنظيم الاستيراد وفتح منافذ التصدير وضمان عدالة التسويق.
فالدولة التي لا تحمي المنتج المحلي من الانهيار، ستدفع لاحقاً ثمن تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار واتساع الفقر، فإنقاذ المزارع ليس «منّة» بل شرط لحماية الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.