Skip to main content

التهرب المفضوح ...«عينات مطابقة» وأعطال تتحدث بلغة الأرقام

 |  رهف ونوس  |  محليات

لم يكن ما جرى خلال الأيام الماضية مجرد «شكاوى» عابرة، بل جريمة مكتملة الأركان تُرتكب علناً بحق ملايين السوريين، بنزين بلون «الشاي الداكن»، تنبعث منه روائح كيميائية حادة، يوقف السيارات بعد أمتار من التعبئة، ويحوّلها إلى كتلة حديدية معطلة.

من اللاذقية إلى دمشق، ومن حماة إلى دير الزور، تكرار الشكاوى وبالتوقيت نفسه، يكشف حقيقة لا لبس فيها؛ المصدر واحد، والمسؤولية واضحة لا تطفئها نار بيان تطميني هنا ولا يخفيها فحص شكلي هناك، وكل محرك يُعطل «لهيب يفضحها»!
أعلنت الشركة السورية للمشتقات النفطية أن «العينات المفحوصة مطابقة للمواصفات»، وكأن مئات المركبات المحوّلة إلى خردة لا تكفي، هذا التصريح ليس دفاعاً عن الجودة، بل تهرّب فاضح من المسؤولية، فكيف يعقل أن تكون العيّنات «مطابقة» بينما تتحدث الورش عن فاتورة إصلاح تتراوح بين 200-700 دولاراً؟!
حيث تركزت الأضرار في تلف وانسداد فلاتر الوقود، وتعطل المضخات البنزين والحساسات نتيجة الرواسب اللزجة، وفي الحالات الأشد، قد يُستبدل المحرك بالكامل، حسب شهادات عدد من الفنيين.
هذه ليست أرقاماً، بل سرقة مزدوجة من جيوب المفقرين وصحتهم وأمنهم.
فإذا كان الغش يحدث في «الصهاريج» كما (تروج الشركة)، فلماذا انتشرت الحالات في عدد من المحافظات بنفس التوقيت؟
هذا التوزيع الجغرافي الواسع لا يمكن أن يكون مصادفة، بل يشير بأصابع الاتهام مباشرة إلى حلقة مركزية «فاسدة» في سلسلة الإمداد، وإذا كانت (الشركة أيضاً) تحاول رمي الكرة في ملعب محطات الوقود، فأين كانت أجهزتها الرقابية والفحص قبل ضخ هذه السموم في الخزانات؟ وأين ذهب مبدأ «المساءلة» الذي تتغنى به البيانات الرسمية؟
المواطن هو الضحية الوحيدة، ينتظر ساعات للحصول على بنزين بأسعار خيالية، ثم يدفع أضعافاً إصلاح مركبته بفعل جشع من يوزّعون الموت على شكل وقود رديء، فيتعطل عن عمله ويتوقف مصدر رزقه، بينما تبقى البيانات الرسمية تتراقص فوق آلامه «نحقق... نتابع... العينات مطابقة»، هذه ليست إدارة بل تفنن في إنتاج الأزمات، وتضليل ممنهج يغطي على استهتار «فجّ» وفشل مؤسسي متجذر.
ولم يتوقف الأمر عند البنزين، فالشكاوى من رداءة المازوت تتزايد أيضاً، مما يكشف أن الفساد ليس حالة استثنائية في الجهة الموّردة، بل سياسة منهجية تُدار بغطاء رسمي.
ما يحدث ليس «أزمة جودة»، بل منظومة فساد أكبر تمتد من المصدر إلى المضخة.
فقد استُهلِك الصبر إلى أقصى حدوده، والمواطن الذي فقد سيارته ومصدر رزقه لا يريد تبريرات جديدة ولا يحتاج إلى بيانات تطمين، بل إلى من يتحمل المسؤولية أمامه، ويريد أن يعرف لماذا يدفع الثمن وحده؟!
ففشل الرقابة ليس خطأً إدارياً، بل جريمة بحق الشعب.
المطلوب، محاسبة حقيقية: من أين جاءت هذه الشحنات؟ من أصدر قرار توزيعها؟ ولماذا لم يُحاسب أحد بعد؟