يمثل المشروع الموقع مع شركة «تشيمكو» التركية لإعادة بناء وتشغيل معمل إسمنت المسلمية في حلب، استجابة لضغط سوقي حقيقي. فبحسب البيانات الرسمية، استهلكت سورية نحو 8 ملايين طن عام 2025، في حين لم يتجاوز الإنتاج المحلي 3 ملايين طن، وهذه الفجوة مرشحة للاتساع إلى أكثر من 20 مليون طن.
ويخلق هذا الواقع مبرراً قوياً للاستثمار، إلا أن غياب التفاصيل التعاقدية يضع علامات استفهام جدية حول العائد الفعلي على الاقتصاد.
فهل الطاقة الإنتاجية المنشودة كافية لسد هذه الفجوة فعلاً؟ فمن المقرر أن ينتج الخط الجديد 5000 طن من الكلنكر يومياً؛ أي نحو 1,5 مليون طن سنوياً من الكلنكر، ومليوني طن من الإسمنت. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «التصدير» مبالغاً فيه ومضللاً، ولا سيّما وأن إنتاج المعمل في ذروته قبل عام 2011، لم يتجاوز 350 إلى 600 ألف طن سنوياً.
يُعقد الاستثمار بصيغة BOT لمدة 30 عاماً وبقيمة 200 مليون دولار. هذا النموذج، رغم أنه خيار عملي لتجاوز نقص السيولة، يثير إشكالات تتعلق بالمصلحة العامة؛ حيث تغيب البيانات التعاقدية الأساسية، ولا تتوفر في الإعلانات الرسمية – من الجانبين السوري والتركي – أي معلومات واضحة حول حصة سورية من الإيرادات، ولا نسبة الإنتاج الموجه للسوق المحلي مقابل التصدير، ولا آليات التسعير التي ستمنع الاحتكار والتحكم بالأسعار.
ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كانت حصة الدولة ستُحتسب كنسبة من الإيرادات السنوية، بناء على حجم الإنتاج، أم من الأرباح الصافية، أم من بدل إيجار ثابت؛ فكل صيغة تخلق حوافز مختلفة تماماً للمستثمر، وتؤثر مباشرة على مدخولات الخزينة.
والأهم، أن القيمة الفعلية للصفقة لا تكمن في خطوط الإنتاج فقط، بل في ملكية الدولة للثروة المعدنية في أرض المعمل. فالأرض تحتوي الحجر الكلسي الذي يمثل 70-80% من خلطة الإسمنت، وترسبات غضارية غنية بالسيليكا والألومنيوم والحديد.
وإذا كانت المؤسسة العامة للجيولوجيا شريكاً في العملية الإنتاجية، فما هو عائد الدولة المالي من هذه المواد الأولية؟ هل سيتم تأمينها بسعر السوق؟ أم بسعر تفضيلي؟ أم ربما مجاناً مقابل حصة في المشروع؟
غياب هذه التفاصيل يجعل من الصعب تقييم القيمة الحقيقية للعائد الذي ستحصل عليه الدولة مقابل استنزاف موارد غير متجددة.
في المقابل، يبرز خطر اجتماعي آخر في الأثر على الأسعار المحلية. فمن غير الواضح حصة السوق المحلية من الإنتاج وكذلك السقف السعري، ما قد يُفضي إلى تصدير الإنتاج بحثاً عن أسواق أكثر ربحية، بينما تُترك السوق المحلية للاحتكار والغلاء، وتُستنزف الثروة لصالح المستثمر.
كما أن شراكة وزارة الطاقة تثير تساؤلات حول طبيعة «الإشراف الحكومي». هل ستكون هذه الشراكة متكاملة بما يضمن حماية المصلحة العامة؟ أم «مساهمة إدارية» في التشغيل قد تؤدي إلى تضارب المصالح؟ الإجابة عن هذا السؤال تحدد ما إذا كانت الدولة «شريكاً» حقيقياً، أم مجرد جهة مانحة للموارد.
نموذج BOT ليس جديداً، وتجارب سورية معه تحمل دروساً قاسية؛ عقود غامضة، وموارد عامة تُنقل إلى القطاع الخاص بعائدات هزيلة، والتزامات اجتماعية وبيئية تُترك للصدفة.
والمطلوب قبل الإشادة؛ نشر العقد كاملاً، وتحديد عائد الدولة من الإيرادات والمواد الخام، وضمان أولوية السوق المحلية. بغير ذلك، يُبنى مستقبل الصناعة على ثروة تُنقل من تحت الأرض إلى الخارج.