Skip to main content

ملف انقطاع أدوية الأمراض المزمنة إلى الواجهة من جديد...

 |  غالية نادر  |  محليات

في ملف الدواء السوري، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب الدواء، بل في غياب ضمان استمراره، وما يعيشه مرضى التصلب اللويحي المقدّر عددهم بأكثر من 8000 مريض بحسب بيانات الاتحاد الدولي لعام 2024 وغيرهم الآلاف من المصابين بأمراض مزمنة ويحتاجون علاجات نوعية ومكلفة كداء كرون والذئبة الحمراء والتهاب المفاصل الروماتويدي والتلاسيميا، يكشف خللاً أعمق؛ وصول دفعة دوائية اليوم لا يعني أن جرعة الغد مؤمّنة، كما أن عجز الدولة عن تأمين هذه الأدوية مجاناً بات مؤشراً خطراً على تراجع قدرة النظام الصحي على أداء واحدة من أهم وظائفه، أي حماية المواطنين من المخاطر المالية المدمرة للعلاج.

خلال 2026 أعلنت وزارة الصحة وصول دفعات من الأدوية النوعية، بينها أدوية التصلب اللويحي والأمراض المزمنة، وأكدت أنها تعمل على شراء كميات إضافية لتأمين الاحتياج، كما أطلقت إحصاءً وطنياً في أيار الفائت للمرضى الذين يتلقون العلاجات البيولوجية بهدف تحسين تقدير الاحتياجات والتخطيط وتحسين التنظيم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا بعد انتهاء الدفعة؟
فالتقارير المنشورة خلال العام وإلى يومنا وثقت استمرار فجوات دوائية ومعاناة مرضى التصلب اللويحي من ارتفاع كلفة هذه الأدوية المستوردة وانقطاعها، ووصلت بعض العلاجات البديلة كحقنة الكورتيزون إلى عشرات الدولارات للواحدة بحسب الصنف وقد يحتاج المريض أكثر من حقنة خلال الهجمة الواحدة، فيما قد تبلغ كلفة بعض العلاجات الشهرية مئات الدولارات وذلك في بلد لا يتجاوز فيه الدخل 90 دولاراً.
هنا لم تعد المسألة نقصاً عابراً، بل خلل في إدارة الاستمرارية. فالمريض لا يحتاج حملة توريد، بل سلسلة إمداد لا تنقطع؛ احتياج محسوب مسبقاً، مخزون أمان، استجرار قبل النفاد، وبدائل علاجية معتمدة.
المطلوب، ليس التبرير الرسمي بتأخّر التوريدات أو غياب المناقصات والوعود بأن تأمين هذه الأدوية «أولوية في استراتيجية الوزارة»، لأن هذا لا يمحو أشهراً من المعاناة بالنسبة إلى المرضى الذين يعتمدون على جرعات منتظمة، كما ليس المطلوب إعلان وصول الشحنة اليوم ليُحل الأمر، بل ضمان ألّا يصل المريض إلى باب المستشفى ليُقال له «لا يوجد دواء»، فأدوية الأمراض المزمنة ليست سلعة موسمية، والاستمرار فيه حق علاجي ومسؤولية عامة.
لذا المطلوب انتقال حقيقي من إدارة النقص إلى إدارة الأمن الدوائي المستدام، فغياب العلاج يعني موتاً بطيئاً، حيث تتراكم الإعاقات الجسدية والنفسية.
فإلى متى سيبقى المريض يدفع ثمن فجوة التخطيط وفشل السياسات من صحته وجيبه وحياته؟!