Skip to main content

هل يُترك موسم القمح القادم لمصيره؟

 |  قاسيون  |  محليات

لا يحتاج الفلاح السوري إلى كثير من المؤشرات ليكتشف أن الموسم الجديد بدأ محمّلاً بكلفة أثقل من سابقه.

ففي الحسكة، ومع بدء التحضير، قفز سعر طن بذار القمح خلال نحو 15 يوماً من 275 دولاراً إلى 360–400 دولار، أي بزيادة تقارب 30–45%، وفق رصد حديث في السوق «التنافسي».
إنه ليس ارتفاعاً في سعر سلعة، بل إعلان مبكر عن فصلٍ جديد من الفقر المدقع، وعن سياسة زراعية تُدار بمنطق الترقيع لا الاستدامة.
هذه الزيادة الجنونية ليست حدثاً معزولاً، بل مؤشر صارخ على أن تكاليف الموسم القادم ستلتهم ما تبقى من قدرة الفلاح على الصمود، فالبذار هي أول حلقة في سلسلة تضم المحروقات والأسمدة والري والحراثة والنقل وأجور العمل والحصاد، وعندما تقفز كلفة أول مدخلات الموسم بهذه النسبة وبهذه السرعة، يصبح السؤال مشروعاً: بأي قدرة مالية سيزرع الفلاح؟!
المفارقة الأكثر قسوة أن الموسم الجديد بدأ وبهذا السباق مع التكاليف فيما لا يزال مزارعون ينتظرون استكمال مستحقاتهم عن محصول الموسم الماضي، ما يضيّق قدرتهم على شراء البذار وتأمين بقية المستلزمات، وكأن الدولة تطلب منهم أن يزرعوا برأسمال لا يملكون منه ليرة واحدة!
وهنا تتجاوز القضية حدود الفلاح إلى الأمن الغذائي، فاستمرار هذا العبث سيدفعهم إلى الاستدانة أو العزوف عن زراعة المحصول أو تقليص المساحات، وهو ما يعني تصدير سورية إلى مزيدٍ من التبعيّة الغذائية، وضربة موجعة للأمن والاقتصاد الوطني في بلدٍ يعيش على حدّ السيف، لذلك لا يكفي إعلان أسعار شراء أو مكافآت تشجيعية، أو الاحتفاء بالكميات المسلمة لأن ذلك لا يصنع أمناً غذائياً مستداماً، وعليه فالمطلوب سياسة زراعية متكاملة تضمن للفلاح مستلزمات إنتاج مدعومة، وتمويلاً في الوقت المناسب، وسعراً يغطي الكلفة ويضمن استمرار الإنتاج، وصرف مستحقاته دون تأخير، فهذا مصدر رزق لا يُساوم عليه!
القمح لا يُحمى بالشعارات ولا بالحديث عن الاكتفاء الذاتي، بل بحماية المنتج وجعله قادراً على الزراعة، فحين يُترك هذا الفلاح يواجه السوق منفرداً، فإن الخطر لا يقع على حقله فقط، بل على رغيف البلاد وأمنها الغذائي.