قد يبدو ما نقله سائقو خطوط جرمانا-كراج الست وباب توما لقاسيون مجرد شكوى يومية من «سوء مكان»، أو «ازدحام»، أو «غلاء»، إلا أنه تعبير عن أزمة مركبة في النقل العام تجمع بين تدهور البنية التحتية، وغياب التخطيط، وارتفاع الكلفة، وانحسار القدرة الشرائية.
يدفع بسببها السائق والمواطن ثمن منظومة نقل غير مدعومة وغير منظمة.
فمكان تجمع سرافيس كراج الست في جرمانا يفتقر إلى أبسط شروط البنية التحتية؛ لا تزفيت، ولا تصريف، ولا نظافة. هذا يعني تحول المكان شتاءً إلى برك ماءٍ وطين؛ ويترتب على ذلك اهتلاك أسرع للمركبات وارتفاع كلفة الصيانة؛ وتأخر في انطلاق الرحلات؛ وتعرض السائقين والركاب لأمراض تنفسية وجلدية.
أما في كراج الست لا تقتصر معاناة السائقين على غياب التنظيم والقمامة فقط، وتشمل التعديات وإشغال الأرصفة والشوارع. وليست القضية هنا «بائع مزعج» يواجه «سائقاً مظلوماً»، بقدر ما باتت صراعاً بين فئتين مفقرتين على مورد نادر هو الفضاء العام.
وفي هذا السياق، يعكس وجود لجنة من سائقين وملّاك ومراقب منتخب وجود وعي بالمشكلة ومحاولة تنظيم. لكن الردود الرسمية السلبية حتى اللحظة تكشف عن غياب أولويات الإنفاق، ومركزية مالية، وعدم اعتراف كافٍ بالنقل العام كحق أساسي، كما يعكس قراراً سياسياً بإبقاء هذه المناطق في هامش الخدمات.
بينما يكشف وجود أكثر من 300 سرفيس على خط جرمانا-باب توما، مقابل غياب مكان تجمع لهم في جرمانا، و8 مصفات فقط عند نهاية الخط، خللاً بين حجم الأسطول والطاقة الاستيعابية للمواقف. لذلك يبدو مقترح تفرع بعض الخطوط إلى الشوارع الفرعية، وتحويل بعضها إلى جرمانا-مزة وجرمانا-برامكة مباشرة، حلاً منطقياً لتخفيف الضغط عن الشارع الرئيسي وتوزيع الطلب.
ومن شأن تحويل الخطوط وإعادة توزيعها حل معضلة الكلفة التي ارتفعت عليهم وعلى المواطن، فبعد رفع المحروقات بنسبة 40%، ارتفعت الأجرة بنسبة 25%؛ فحالياً قد يدفع المواطن 200 ليرة يومياً ذهاباً وإياباً، بينما الخط المباشر بقيمة 60-70 ليرة يخفّض الكلفة إلى حد كبير. وبالنسبة إلى سائق الخط المباشر يعني رحلة أطول، وعدد ركاب أكبر، واستغلالاً أفضل للوقود والوقت. ويعني ذلك للمواطن وصولاً مباشراً من دون تبديل وسائل النقل، وتوفير مالي يومي، وتقليل زمن التنقل.
ويطالِب السائقون بدعم مباشر للمازوت يوزَّع بعدالة، لا بالمحسوبية ولا بكميات متساوية، بل وفق عدد الرحلات الفعلية لكل سرفيس، بما يمنع احتكار المخصصات أو تسربها إلى السوق السوداء.
وفي ضوء حديث وزارة الطاقة عن سعر مدعوم للنقل، فإن جدية هذا الطرح، بحال تنفيذه، تُختبر أولاً بآلية توزيع واضحة ورقابة على المازوت؛ فمن دونها سيحمِّل أي سعر جديد السائقين والمواطنين كلفة إضافية، ولن يعالج جوهر الأزمة.
قد يصور الخطاب الشائع السائق طمّاعاً والمواطن ضحيةً، والواقع أن الاثنين داخل الحلقة نفسها؛ فالسائق ليس شركة نقل، ويعمل ضمن هامش ضيق، يواجه تضخماً وقطع غيار ارتفعت كلفتها بأكثر من 30% ومحروقات وغرامات؛ والمواطن مفقر يدفع من دخله المحدود ثمناً يومياً للتنقل.
والغائب الأكبر هو الدولة ومؤسساتها؛ فالمشكلة تكمن في غياب حوكمة عادلة وذكية. والحل ليس رفع الأجرة، أو إطلاق عبارة «لا يوجد تمويل». الحل في التنظيم، والرصف، والدعم، وإعادة توزيع الخطوط، بشكل يعيد إلى النقل العام مكانته كحق يومي، لا كعبء إضافي على الفقراء.