مع توسّع نقل الفيول والنفط الخام العراقي عبر سورية، تتحول الطرق الدولية إلى ممرات كثيفة للصهاريج الثقيلة، وسط مخاوف من تآكل البنية التحتية وتفاقم الازدحام والحوادث. فهل تواكب إجراءات السلامة حجم التوسع المتسارع؟
لا تبدو قضية نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية مجرد عملية ترانزيت تدر عائدات مالية، بل اختباراً لقدرة الطرق والبنية التحتية ومنظومة السلامة المرورية على تحمل تدفقات متزايدة من الصهاريج الثقيلة. ومع التوجه إلى نقل النفط الخام إلى جانب الفيول، تبرز مخاطر قد تتجاوز الحسابات التشغيلية التي تركز على عدد الشاحنات وسرعة التفريغ واستمرار تدفق الشحنات، فيما تبقى كلفة الحوادث والأضرار الطرقية واحتمالات تعطل الحركة أقل حضوراً في النقاش العام.
أكثر من 6000 صهريج في دورة تشغيلية محتملة
في آب 2026، تحدث رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية، عمر الوائلي، عن تصدير ما بين 1300 و1500 صهريج محمل بالنفط الأسود وزيت الوقود يومياً عبر منفذ ربيعة باتجاه سورية وبانياس، مع حركة عودة للصهاريج الفارغة، ليصل إجمالي الحركة في الاتجاهين إلى نحو 2600–3000 شاحنة وصهريج يومياً.
وفي 27 أيلول، قال نائب الرئيس التنفيذي لقطاع النقل والتخزين في الشركة السورية للبترول، أحمد قبجي، إن عدد الصهاريج الناقلة للنفط العراقي يتراوح بين 1000 و1200 يومياً. كما تحدثت تقارير سابقة عن نمو حركة النقل إلى نحو ألف شاحنة يومياً، مع بحث زيادة الكميات وإضافة النفط الخام.
وإذا افترضنا استمرار نقل ألف صهريج فيول يومياً وإضافة ألف صهريج نفط خام، مع دورة تشغيلية كاملة تستغرق ثلاثة أيام، فإن الأسطول اللازم لتلبية التدفقين قد يتجاوز 6000 صهريج ضمن الدورة التشغيلية. وهذا تقدير حسابي مشروط بمعدل النقل ومدة الدورة، وليس رقماً رسمياً معلناً لحجم الأسطول الموجود داخل سورية.
لكن الرقم الأهم ليس عدد الصهاريج وحده، بل ما تتركه حركتها المتكررة على الطرق التي تعبرها، خصوصاً عندما تتحرك ضمن أرتال طويلة وعلى محاور تتفاوت فيها جودة الطريق والانحدارات والالتواءات.
الحوادث ليست احتمالاً نظرياً
في 9 أيار 2026، وقع حادث خطِر لقافلة صهاريج فيول عراقي على طريق M4 قرب بسنقول في ريف إدلب. ووفق وكالة سانا، أدى خلل في مكابح صهريجين إلى اصطدامهما وانفجار أحدهما واندلاع حريق، ما تسبب بوفاة مدنيين وإصابة ثلاثة سائقين. كما أدى إغلاق الطريق إلى توقف نحو 130 صهريجاً قرابة أربع ساعات.
وتكتسب هذه الواقعة، وأشباهها المسجلة خلال الأشهر الماضية، دلالة تتجاوز خسائر الحادث المباشرة؛ فتعطل مركبتين ضمن قافلة واحدة كان كافياً لإحداث أزمة مرورية مؤقتة، فكيف سيكون الوضع إذا وقع حادث مماثل على طريق مزدحم، أو تسبب تسرب الوقود بحريق واسع، أو اضطرت فرق الإنقاذ إلى إغلاق محور حيوي لفترة أطول؟
وقوع حادث قاتل مرتبط بقافلة صهاريج، وما رافقه من توقف جماعي للمركبات، يكشفان مخاطر ملموسة تستدعي التعامل معها قبل زيادة حركة النقل، لا بعدها.
الطرق تدفع الثمن أيضاً
تكرار مرور الشاحنات الثقيلة يرفع الضغط على طبقات الإسفلت، ويزيد احتمالات التشققات والحفر وتضرر حواف الطرق، ولا سيّما في المقاطع المتضررة أو ذات الانحدارات الحادة. كما أن الازدحام الناتج عن الأرتال قد يبطئ حركة المواطنين والحافلات والنقل التجاري، ويزيد فرص التجاوزات الخطرة والاصطدامات.
وتتضاعف المخاطر عندما تجتمع كثافة الحركة مع أعطال المكابح، أو ضعف الصيانة، أو الإرهاق، أو غياب مسافات الأمان الكافية. أما تسرب الفيول على الطريق فيضيف خطراً آخر، إذ قد يجعل سطحه زلقاً ويصعب مرور المركبات وعمليات الإنقاذ.
من يحسب كلفة المخاطر؟
إن توسيع ممر النقل النفطي يجب ألا يُقاس بعدد الصهاريج فقط والتي تصل إلى بانياس أو بالعائدات المتحققة، بل بكلفة صيانة الطرق أيضاً، ومخاطر الحوادث، وزمن التعطل، ومدى جاهزية فرق الإطفاء والإسعاف والإنقاذ.
المطلوب تقييم واضح لقدرة الطرق على استيعاب التدفقات الجديدة، وفحص فني دوري للصهاريج، وضبط الأوزان وساعات القيادة، وتنظيم الأرتال ومساراتها، وتأمين نقاط توقف آمنة، ونشر بيانات دورية عن الحوادث والأضرار المرورية.
فحين يتجاوز الأسطول التشغيلي المحتمل آلاف الصهاريج، لا يجوز أن تبقى السلامة تفصيلاً تابعاً لخطط التصدير. فالطريق ليس ممراً بلا كلفة، وأي توسع لا يحسب مخاطر البشر والبنية التحتية قد يحول عائدات الترانزيت إلى فاتورة يدفعها المواطنون والسائقون والاقتصاد المحلي.