هل يصبح الشتاء القادم امتحاناً جديداً لتلاميذ الحسكة؟
في محافظة الحسكة، وتحديداً في مناطق القحطانية والقامشلي، لم تعد المدرسة بالنسبة لكثير من الأطفال مكاناً طبيعياً للتعلم، بل أصبحت شاهداً على واقع تعليمي مأساوي تتراكم فيه المشكلات عاماً بعد آخر. صفوف بلا مقاعد، مدارس تحولت إلى ما يشبه الحفريات والأنفاق، وتجهيزات اختفت أو تعرضت للسرقة، فيما يجلس التلاميذ يومياً على الأرض، وكأن حقهم في التعليم أصبح ترفاً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
المشهد داخل بعض المدارس لا يحتاج إلى كثير من الشرح. أطفال يحملون حقائبهم صباحاً، يصلون إلى مدارسهم أملاً في تلقي العلم، ثم يجدون أنفسهم أمام غرف صفية تفتقر إلى أبسط مقومات العملية التعليمية. مقعد الطالب الذي يفترض أن يكون جزءاً أساسياً من المدرسة أصبح حلماً، والسبورة والتجهيزات والوسائل التعليمية باتت في كثير من الأماكن من الكماليات.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس : كيف يدرس أطفالنا في هذه الظروف؟ بل: ماذا سيحدث عندما يأتي الشتاء؟
إذا كان الطفل يجلس اليوم على أرضية صف باردة ومتهالكة، فكيف سيكون وضعه عندما تنخفض درجات الحرارة، وتتسرب مياه الأمطار إلى الأبنية المتضررة، وتتحول ساحات المدارس وصفوفها إلى أماكن غير صالحة لاستقبال الأطفال؟ هل ننتظر حتى يصاب أحدهم بالمرض، أو تقع حادثة، حتى تتحرك الجهات المعنية؟
إن ترك المدارس على حالها ليس مجرد تقصير في تأمين المقاعد أو الترميم، بل هو مساس مباشر بحق آلاف الأطفال في بيئة تعليمية آمنة ولائقة. فالمدرسة ليست جدراناً وسقفاً فقط، وإنما هي المكان الذي يفترض أن يشعر فيه الطفل بالأمان والاستقرار، وأن يجد فيه الظروف المناسبة للتعلم وبناء مستقبله.
الأكثر إثارة للقلق هو ما يتداوله الأهالي من إشارات إلى إمكانية تنظيم عمليات ترميم المدارس على نفقتهم الخاصة، في ظل غياب خطة واضحة وملموسة لتأهيل هذه المدارس وتجهيزها من قبل الجهات والوزارات المعنية. صحيح أن المجتمع الأهلي قادر، في كثير من الأحيان، على المبادرة والمساعدة، وقد أثبت الأهالي في مناسبات كثيرة قدرتهم على الوقوف إلى جانب أبنائهم ومدارسهم، لكن تحويل مساهماتهم إلى بديل دائم عن مسؤولية الدولة أمر آخر تماماً.
لا يمكن أن تصبح المدارس مشروعاً يعتمد على التبرعات والمبادرات الفردية، بينما تبقى الجهات المسؤولة بعيدة عن واجباتها. الأهالي قد يساعدون في الطلاء أو إصلاح نافذة أو شراء بعض المستلزمات، لكنهم لا يستطيعون تحمل كلفة إعادة بناء مدارس متضررة وتأمين المقاعد والتجهيزات والبنية التحتية اللازمة.
أطفال الحسكة لا يحتاجون إلى وعود جديدة، بل إلى مدارس حقيقية، ومقاعد تحفظ كرامتهم، وصفوف آمنة تحميهم من برد الشتاء ومخاطره.
الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل. الشتاء قادم، والأطفال ليسوا مسؤولين عن الخراب والسرقة والإهمال.
فهل تتحرك الجهات المعنية قبل أن يتحول الشتاء القادم إلى امتحان قاسٍ آخر لأطفالنا؟ أم سننتظر حتى تصبح معاناة التلاميذ خبراً جديداً عن مدرسة انهارت أو طفل مرض بسبب البرد؟
إنقاذ المدارس اليوم ليس ترفاً ولا عملاً خيرياً؛ إنه مسؤولية، وحق، وواجب تجاه جيل كامل لا ينبغي أن يدفع ثمن ما لم يرتكبه.