Skip to main content

القمح... حين يُدفع ثمن أزمة السيولة من جيب الفلاح

 |  رهف ونوس  |  محليات

سلّم الفلاح محصوله، وأنجز ما عليه في موسم شاق ومكلف، لكن الدولة لم تنجز ما عليها بالسرعة نفسها، فبدلاً من أن تتحول مستحقات القمح إلى رأسمال يبدأ به الموسم الجديد، تحولت إلى انتظار مفتوح، ودفعات مجزّأة وسقوف للصرف، وبحسب الآلية المعلنة، تُدفع قيمة المحصول على دفعات بحسب حجم المستحقات، فيما أظهرت بيانات رسمية نشرتها «سانا» أن نسبة الصرف في «إزرع» بدرعا لم تتجاوز 38% حتى مطلع أيلول، كما علت الأصوات في الحسكة والرقة وغيرها مؤكدة أن حتى الدفعة الأولى لم تستكمل بعد!

المشكلة هنا ليست تأخير حوالة مالية فحسب، بل ضربٌ لدورة الإنتاج في الحلقة الأضعف. الفلاح باع محصوله بسعر محدد، لكنه لا يحصل على كامل قيمته في التوقيت نفسه، وبين التسليم والصرف يتحرك سعر صرف الدولار والأسعار، فتتآكل القيمة الفعلية للمستحقات، بينما لا تنتظر أسعار البذار والسماد والمحروقات وأجور الآليات «المدولرة» أحداً، وكأن الفلاح هو من أخفق في التخطيط النقدي!
هذا ليس استنتاجاً افتراضياً، فقد أوضح مزارعون ومهندسون زراعيون تقديرات التكلفة التي تصل إلى 750 دولاراً للهكتار المروي، مع تحذير صريح من خسائر إضافية أمام تقلبات سعر صرف الدولار.
النتيجة؟ فلاح غارق في الديون، عاجز عن تسديد التزاماته أو بدء الموسم الجديد.
والحكومة تتذرع بنقص السيولة، والمصرف الزراعي يحمّل مصرف سورية المركزي المسؤولية، بينما وزارة الزراعة ترمي الكرة في ملعب المؤسسة السورية للحبوب وهكذا في دوامة من تقاذف المسؤوليات لكن الفلاح لا يهمه من يتحمل المسؤولية، يهمه أن يحصل على حقه.
فليس مقبولاً أن يتحول تأخير السداد إلى عقوبة مالية مفروضة على من يحمي الأمن الغذائي للبلاد، إن استمرار هذه المعادلة لن يعني سوى عزوف متزايد عن زراعة القمح، وتراجع قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي.
لا تُحمى الزراعة بالخطابات ولا برفع المساحات على الورق، حماية محصول استراتيجي كالقمح تبدأ من حماية المنتج؛ دفع مستحقاته كاملة وفوراً، وتعويضه عن الخسارة الناتجة عن التأخير وتغير سعر الصرف، ودعم مستلزمات الإنتاج للموسم القادم قبل أن يتحول التأخير الإداري إلى خسارة إنتاجية.
والمطلوب سياسة زراعية تضع الفلاح في صدارة الأولويات، فهو ليس الحلقة الأضعف التي تُحمل كلفة الأزمة، إنه الحلقة التي يبدأ فيها الأمن الغذائي كله.