ليست المشكلة في الأسواق السورية اليوم أن الأسعار ارتفعت فقط، بل أن الغلاء يدفع المواطن إلى سوقٍ آخر، سوق البحث اليائس عن الأرخص، حيث قد يصبح انخفاض السعر ستاراً لسلعة مجهولة المصدر، أو رديئة الجودة، أو ناقصة الوزن، أو حتى منتهية الصلاحية.
ليتصدر الغش الغذائي المشهد لا كحالة هامشية أو مخالفات متناثرة، بل ظاهرة تتغذى من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وغياب الرقابة الفاعلة!
فقد كشفت الضبوط الرسمية خلال نيسان الفائت عن مواد منتهية الصلاحية ومزوّرة التواريخ، بينها مستودع في ريف دمشق احتوى 4,5 أطنان من المواد المخالفة، كما ضُبطت مواد غذائية مغشوشة، بينها 100 كغ من «كباب الفروج».
وفي ريف دمشق وحده، سُجل خلال النصف الأول من 2026 أكثر من 10 آلاف ضبط، بينها 135 ضبط غبن وغش للمستهلك و878 مخالفة للشروط الصحية، مقابل 3043 ضبطاً لعدم الإعلان عن الأسعار وفق ما ذكرت وكالة «سانا» مطلع آب، مقابل حصيلة نصف سنوية تقدر بـ 61,447 مخالفة تموينية وسعرية.
واليوم، حسب تصريح لأمين سر جمعية حماية المستهلك «عبد الرزاق حبزة» لصحيفة الحرية بتاريخ 26/9/2026، فعمليات الغش طالت معظم المواد الاستهلاكية، كإضافة حليب البودرة والنشاء ومواد خفيفة الدسم في صناعة الألبان والأجبان، كما حشوة المكدوس بإضافة الجزر والصبغات الصناعية، كذلك خلط لحم الغنم بالفروج أو التلاعب بالوزن الفعلي، وصولاً إلى خلط القهوة المحمصة بالقمح أو القضامة.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً أعمق: هل تكفي كثرة الجولات «الاستعراضية» إذا بقيت الرقابة في كثير من الأحيان مرتبطة بضبط الإعلان عن السعر والبيانات فقط، بينما تتطلب سلامة الغذاء مخابر وفحوصاً وتتبعاً للمصدر وسلسلة التوريد؟
إن «السوق الحر التنافسي» لا يمكن أن يكون بديلاً عن دور الدولة في حماية المستهلك، والمواطن لا يمكن أن يكون مستهلكاً ومراقباً ومختبراً في آن معاً، فهو يدفع الثمن مرتين: من جيبه، ومن صحته حين تتحول الحاجة إلى مدخل لسلع مغشوشة أو مجهولة المصدر.
المطلوب ليس حملات موسمية ولا معالجة بعد وقوع الضرر، بل منظومة رقابة مستدامة تبدأ من المصدر والمستودع ولا تنتهي على رف البيع، مع تشديد التتبع والفحص والإعلان عن نتائج الضبوط، ومحاسبة حقيقية للمخالفين، فسلامة الغذاء حق عامّ لا امتياز لمن يستطيع دفع ثمنه.