Skip to main content

موسم زيتون مُبشر... والتلوث بمخلفات المعاصر يتجدد

 |  منية سليمان  |  محليات

مع بدء موسم قطاف الزيتون، يجد السوريون أنفسهم أمام مفارقة مأساوية؛ وفرة إنتاجية تُبشّر بخيرٍ يعمّ، يقابلها خطرٌ محدق بمياه الشرب نتيجة التلوث المتكرر بمخلفات المعاصر.

فبينما تُقدّر وزارة الزراعة إنتاج هذا الموسم بنحو 954,730 طناً من ثمار الزيتون، يذهب قرابة 80% منه إلى العصر، مع إنتاج متوقع يقارب 190,946 طناً من زيت الزيتون، لكن تتجدد المخاوف من أن يتحول هذا الخير إلى كارثة بيئية، في بلدٍ يئنّ تحت وطأة أزمات متلاحقة.
ففي طرطوس مثلاً، حيث يبلغ عدد المعاصر 248 معصرة، يُتوقع إنتاج نحو 101,6 ألف متر مكعب من مياه الجفت، وهذا الرقم المخيف قد يتحول بغياب الرقابة وضعف التخطيط، إلى قنبلة موقوتة تهدد مصادر مياه الشرب.
وحسب الدراسات، فمياه الجفت التي تتجاوز قيمتها في مؤشر الأكسجين المستهلك كيميائياً 76,000 (COD) ppm مقابل الحد المسموح البالغ ppm 3 فقط، ليست مجرد «مخلفات»، بل هي سمومٌ قاتلة تفتك بالمياه والتربة والكائنات الحية.
لا يمكن وصف ما يحدث سنوياً من تلوث لمصادر المياه في ريف طرطوس وحمص وإدلب وغيرها، بخروج آبار وينابيع عن الخدمة، سوى بأنه جريمة بيئية وإنسانية مكتملة الأركان.
وفي حين تتحدث الجهات الرسمية عن «إجراءات إسعافية» و«تعليمات وخطط استباقية»، يبقى السؤال: لماذا يتكرر المشهد ذاته كل عام؟
تشير وزارة الزراعة إلى وجود خطة متكاملة لإدارة المحصول تشمل معايير القطاف والعصر والتسويق، وعودة سورية إلى المجلس الدولي للزيتون، لكن كل هذه الخطط تظل حبراً على ورق ما لم تُترجم إلى إجراءات رقابية صارمة تُنفّذ قبل بدء الموسم مع متابعة مستمرة ودائمة خلاله، لا بعده، فالتوجيهات والقرارات الوزارية التي تمنع صراحة طرح المخلفات في المجاري المائية والأنهار وشبكات الصرف الصحي، ومع ذلك تُغلق المعاصر المخالفة «بعد وقوع الضرر».
إن غياب محطات معالجة لمياه الجفت في طرطوس وغيرها، وغياب مخبر دولي معتمد لتحليل زيت الزيتون، يكشف عن خلل بنيوي في إدارة القطاع.
والحل بتغيير جذري يعتمد على تقنيات المعاصر ثنائية الطور التي لا تنتج ماء الجفت، وإلزام المعاصر المرخصة وغير المرخصة بتوفير أحواض كتيمة وصهاريج ترحيل، وتفعيل العقوبات بحق المخالفين بشكل فوري ورادع.
إن موسم الزيتون الذي طالما ارتبط في وجدان السوريين بالخير والبركة، قد يتحول إلى كارثة إذا استمرت السياسات في إدارة الأزمة بعد وقوعها بدلاً من منعها قبل حدوثها، كما أن حماية مياه الشرب، وضمان وصولها إلى كل مواطن، ليست ترفاً بيئياً، بل هي حق إنساني أساسي لا يقبل المساومة أو التأجيل.
فإمّا التحرك الآن، قبل أن تدور المعاصر، أو يُدفع الثمن من صحة أبنائنا وحياتهم.