في سهول الرقة وحتى في دير الزور، حيث تتداخل قنوات الري مع حقول القمح والقطن، يزحف عدوّ صامت لا يرحم، فلم يعد «الباذنجان البري» نبتة عابرة على أطراف الطرق والحقول، بل تحول إلى آفة غازية تبتلع الأراضي الزراعية وتستنزف الموارد المائية، في مشهد يفضح عجز السياسات الزراعية عن حماية لقمة عيش الفلاحين.
حيث تتمدد داخل الحقول وتزاحم المحاصيل على الماء والغذاء، حتى دفعت بعض المساحات إلى الخروج من دائرة الإنتاج.
المشكلة هنا ليست في نبتة فحسب، بل في غياب المكافحة المبكرة التي تسمح للآفة بأن تتحول من مشكلة قابلة للاحتواء إلى عبء زراعي متراكم.
جذور هذه النبتة الغازية «حسب الخبراء» تمتد إلى أكثر من ثلاثة أمتار، وتفرز مواد سامة تخنق المحاصيل وتنافسها على كل قطرة ماء، والمبيدات المتاحة في الأسواق لا تقضي عليها، بل توقفها شهراً أو شهرين لتعاود الظهور بحال أقوى، تاركة الفلاح وحيداً أمام خسائر فادحة، وحسب بيانات سابقة لوزارة الزراعة بلغت المساحات المكافحة لموسم 2023-2024 ما يقارب 6000 هكتار، كما يقول أحد المزارعين في الرقة اليوم، «فقدت 30% من أرضي هذا الموسم».
كذلك أكد رئيس دائرة زراعة بئر الهشم في مديرية زراعة ال«صالح الحاج»، خروج مساحات واسعة من الحقول عن السيطرة نتيجة انتشارها وفق ما ذكرت «سانا» بتاريخ 26/9/2026.
المعركة ليست مسؤولية الفلاح وحده فأن يُترك وحيداً أمام آفة عابرة للحقول يعني عملياً تحميله كلفة عجز لا يملك أدوات مواجهته، ما يحدث في الرقة وغيرها ليس «تحدياً كبيراً» كما تصفه اللجان الزراعية، بل فشل سياسات واستهتار رسمي فاضح، والمطلوب قبل أن تصبح الحقول أمام أزمة أوسع، ليس ترميم ما يمكن ترميمه، بل قطع الطريق على تمدد الآفة، وحماية أرض الفلاح ومياهها وإنتاجها ليست منّة، بل واجب ومسؤولية مباشرة للدولة، لأن ترك الباذنجان البري يتكاثر يعني ترك جزء من الأمن الغذائي يُستنزف بصمت.
وهذا يتطلب، خطة مكافحة شاملة ومستدامة تقودها مديريات الزراعة والإرشاد الزراعي، تبدأ بمسح شامل للانتشار، وتتضمن إزالة ميكانيكية مدروسة، ومبيدات فعالة ومدعومة، ومنع انتقال البذور والجذور عبر المعدات والسماد ومجاري الري، مع متابعة النتائج موسماً بعد آخر.
فالمكافحة المتقطعة ليست سياسة زراعية، إنها مجرد تأجيل للخسارة.