لم تعد المخاوف من رفع تعرفة المياه مجرد هواجس يتداولها المواطنون. فالتصريحات الرسمية والإجراءات المتلاحقة ترسم مساراً واضحاً نحو إعادة صياغة فاتورة المياه، وربطها تدريجياً بتكلفة إنتاج المتر المكعب وحجم الاستهلاك.
بدأ المسار بإقرار مشروع ضخم لتركيب خمسة ملايين عداد مياه ذكي مسبق الدفع، ثم انتقل إلى التنفيذ الفعلي، مع بدء تركيب 300 ألف عداد في دمشق وإدلب والتوسع لاحقاً إلى بقية المحافظات. وفي الوقت نفسه، يجري إعداد نظام جديد لفوترة المياه، بينما أعلن وزير الطاقة أمام مجلس الشعب أن التعرفة الحالية «منخفضة جداً» ولا تغطي تكلفة إنتاج المتر المكعب.
هذه ليست تفاصيل منفصلة. إنها حلقات في مسار واحد؛ قياس كل متر مكعب، واحتساب كلفته، ثم تحميل المستهلك جزءاً أكبر من تلك الكلفة. صحيح أن الوزارة تتحدث عن شرائح مدعومة تراعي الحد الأدنى للدخل، لكن مجرد الانتقال من التعرفة المدعومة الحالية إلى نظام أكثر ارتباطاً بالتكلفة يفتح الباب أمام تراجع الدعم الفعلي الذي يحصل عليه المواطن، خصوصاً إذا ارتفعت كلفة الخدمة ولم تواكبها قدرة الناس على الدفع.
والكارثة المحتملة لا تكمن في ارتفاع الفاتورة وحده، بل في العداد مسبق الدفع. فحين يصبح استمرار المياه مرتبطاً برصيد مالي، يتحول الماء عملياً من خدمة عامة يفترض أن تكون متاحة للجميع إلى خدمة مرتبطة بالقدرة على الدفع. من يملك المال يشحن عداده، ومن لا يملك قد يجد نفسه أمام عداد صامت وصنبور جاف.
في بلد تتراجع فيه القدرة الشرائية، وتضيق فرص العمل، وتتآكل الأجور تحت وطأة الغلاء، لا يمكن التعامل مع المياه بمنطق تجاري مجرد.
نعم، يجب وقف الهدر والتعديات، وإصلاح الشبكات، وترشيد الاستهلاك. لكن الحل ليس أن يدفع الفقراء ثمن الأزمة. المطلوب دعم حقيقي للاستهلاك الأساسي، وتعرفة عادلة تراعي دخل الأسرة، وضمان ألا يتحول «العداد الذكي» إلى عداد للفقر، يفصل الماء عمن لا يملك ثمنه.
فالماء ليس رفاهية، ومن لا يملك ثمنه لا ينبغي أن يُحكم عليه بالعطش.