بعد سنوات طويلة من الانتظار والتهجير، عاد اسم «الخليج» في داريا إلى الواجهة مع طرح مشروع لإعادة تنظيم المنطقة وإعمارها، يتضمن أبراجاً سكنية ومساحات خضراء، ومدارس، ومراكز صحية، وخدمات عامة. لكن المشروع، الذي عُرض على الأهالي في 21 أيلول، ما يزال في إطار المقترح الأولي، فيما تبدو أسئلة المالكين أكبر من أن تُحسم بمجرد عرضٍ عام، أو تفويض أولي.
الأهالي لا يعترضون، في جوهر موقفهم، على عودة الحياة إلى أرضهم، أو على إعادة إعمارها. كثيرون منهم ينتظرون منذ سنوات فرصة للعودة إلى بيوتهم وأراضيهم، وبعضهم ما يزال يتحمل أعباء الإيجار والتنقل بين المساكن. وفي احتجاجاتهم السابقة، عبّر السكان بوضوح عن رغبتهم في العودة، بل إن بعضهم قال: إنه مستعد لإعادة البناء على نفقته الخاصة إذا أتيح له ذلك بدل البقاء في انتظار حل غير واضح المدة.
ومن هنا يمكن فهم تباين المواقف الحالية. فهناك من يرى في المشروع فرصة لإعادة الاعتبار لقيمة الأرض والعودة إلى المنطقة بعد سنوات كان فيها مصير الملكيات مجهولاً، ولا يمانع في اقتطاع جزء من الحقوق، إذا كان ذلك سيؤدي فعلاً إلى إنشاء الطرق والمدارس والحدائق والمراكز الصحية والبنية التحتية اللازمة. وفي المقابل، يخشى أصحاب الملكيات الصغيرة خصوصاً، أن تنتهي العملية بحصولهم على مساحات، أو حقوق لا تكفي لإعادة بناء مساكنهم، أو أن يجدوا أنفسهم مضطرين للبيع، نتيجة عدم جدوى الحصة التي ستؤول إليهم.
وتزداد هذه المخاوف مع غياب تفاصيل حاسمة حتى الآن. فالنسب المتداولة للمالكين تبلغ نحو 40% للأراضي الزراعية، و50% للأراضي المنظمة غير المطبقة، ونحو 60% للعقارات التي كانت فيها أبنية قبل عام 2012. لكن السؤال الأساسي هو:
40 أو 50 أو 60% من ماذا تحديداً؟ وهل هي من المساحة المبنية، أم من القيمة النهائية، أم من حقوق التطوير بعد احتساب تكاليف البنية التحتية؟
هذه التفاصيل هي التي تحدد عملياً ما سيبقى في يد المالك، ولا تكفي النسب المجردة وحدها للإجابة عنها.
كما يحتاج الأهالي إلى معرفة من يتحمل تكاليف البنية التحتية، وكيف ستنعكس هذه التكاليف على حصصهم، ومن هو المستثمر، وما الضمانات في حال تأخر التنفيذ، أو تعثره، وماذا سيحدث للأسر خلال سنوات البناء، وهل ستكون هناك بدلات إيجار أو ترتيبات سكن مؤقتة. وحتى الآن، لم يُعلن جدول زمني ملزم وواضح لتسليم الأبنية وتنفيذ المشروع.
لهذا تبدو القضية بالنسبة إلى كثير من الأهالي أبعد من كونها خلافاً على مشروع عمراني. إنها قضية حقوق ملكية وحياة ومستقبل عائلات انتظرت طويلاً. ومن حق أصحاب الأرض أن يعرفوا بصورة مكتوبة ودقيقة ما الذي سيحصلون عليه، ومتى، وبأي مواصفات، وما الضمانات التي تحميهم.
إعادة إعمار الخليج يمكن أن تكون فرصة حقيقية لعودة الأهالي، لكن نجاحها لا يقاس بعدد الأبراج والمباني فقط، بل بمدى شعور أصحاب الأرض بأن حقوقهم محفوظة، وأنهم شركاء في مستقبل منطقتهم، لا مجرد أصحاب ملكيات يُطلب منهم توقيع تفويض قبل أن تتضح لهم الصورة كاملة.