إعلان وزارة التربية والتعليم بتاريخ 23 أيلول عن مسابقة لترميم أكثر من 18 ألف شاغر تعليمي في ريف دمشق ودرعا وحلب ليس مجرد إعلان عن مسابقة توظيف، بل هو اعتراف صريح بحجم الخلل الذي رافق انطلاق العام الدراسي. فالوزارة، عندما تبحث بعد بدء الدراسة عن آلاف المدرسين لسد الشواغر، تؤكد عملياً أن العام الدراسي لم يبدأ بكادر تعليمي مكتمل، وأن أعداداً كبيرة من الطلاب دخلت الصفوف وهي تفتقد حقاً أساسياً من حقوقها؛ الحصول على تعليم منتظم ومستقر.
المشكلة لا تتعلق بالمحافظات الثلاث وحدها. فالشكاوى المتداولة من نقص المدرسين والاختصاصات في مدارس مناطق ومحافظات مختلفة تطرح سؤالاً أكبر: لماذا لم تُنجز عملية تحديد الاحتياجات وسد الشواغر قبل قرع جرس المدرسة؟
فمن الطبيعي أن تحتاج المؤسسات التعليمية إلى مسابقات وإجراءات قانونية للتعيين، ومن الطبيعي أن تستغرق عملية اختيار آلاف الموظفين وقتاً. لكن غير الطبيعي أن يبدأ العام الدراسي قبل أن تكون هذه الإجراءات قد أُنجزت، ثم يُطلب من الطالب والمدرسة والأسرة تحمل نتائج التأخير.
الأكثر إيلاماً أن الطالب هو الطرف الوحيد الذي لا يستطيع تعويض ما فاته. فالحصة التي لم تُدرّس، والمنهاج الذي تأخر، والموضوع الذي مر دون مدرس متخصص، لا يمكن استعادتها ببساطة بعد أشهر. وقد يستطيع الموظف الانتظار، وقد تستطيع الإدارة تمديد المواعيد، لكن الطالب لا يستطيع تمديد عامه الدراسي.
والأكثر إثارة للقلق أن المسألة قد لا تنتهي بمجرد إعلان نتائج المسابقة. فإذا احتاجت إجراءات التقديم والتدقيق والاختبارات والمقابلات والفرز والتعيين إلى أسابيع أو أشهر، فإن استكمالها قد يبتلع عملياً كامل الفصل الدراسي الأول، وربما لا يصل بعض المدرسين إلى مدارسهم إلا بعد أن يكون نصف العام الدراسي أو معظمه قد مضى.
والسؤال هنا لا يبقى: لماذا يوجد 18 ألف شاغر؟ بل: لماذا اكتُشفت الحاجة بهذا الحجم بعد بدء العام الدراسي؟ وهل كانت بيانات المدارس والاحتياجات التعليمية غير مكتملة قبل بدء الدوام؟ وإذا كانت الأرقام معروفة، فلماذا لم تبدأ إجراءات المعالجة في وقت أبكر؟
المسابقة خطوة مطلوبة لسد النقص، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتغطية خلل التخطيط. فالتعيين المتأخر قد يسد الشاغر إدارياً، لكنه لا يعيد للطلاب الأسابيع والأشهر التي خسروا فيها حقهم بالتعلم الكامل.
فالتعليم ليس خدمة يمكن تشغيلها تدريجياً حتى تكتمل الكوادر. العام الدراسي موعد لا ينتظر، والطالب ليس رقماً في جدول الشواغر.
المطلوب اليوم ليس الإسراع في المسابقة فقط، بل تقديم تفسير واضح للرأي العام؛ كيف بدأ العام الدراسي بكل هذا النقص، وما الإجراءات التي ستضمن ألا يتكرر المشهد في العام المقبل؟
والسؤال الأكثر إلحاحاً: من سيعالج الفاقد التعليمي الذي تحمّله الطلاب؟ ومن سيعيد لهم الدروس والحصص التي ضاعت؟ وهل توجد خطة واضحة لتعويض ما فاتهم، أم أن الطالب سيُطلب منه ببساطة أن ينتقل إلى الصف التالي محمّلاً بفجوات تعليمية سترافقه في السنوات اللاحقة؟
لأن معالجة الخطأ بعد وقوع الضرر ليست إنجازاً كاملاً؛ الإنجاز الحقيقي هو ألّا يُترك الطالب أصلاً ليدفع ثمن الخطأ.