لم تعد الدراجات النارية مجرد إزعاج عابر؛ واستحالت في شوارع المدن والبلدات السورية إلى آلات موت سيّارة، تفتك بالأرواح وتنخر الأمن الاجتماعي. فما حوادث الدهس، وعمليات القتل والسرقة والسلب، والاستعراضات الجنونية والرعناء، سوى ظاهرة إجرامية مستفحلة تتمدد يوماً بعد يوم.
وتشير الإحصائيات المرورية إلى واقع مقلق بعد أن بلغت أرقاماً قياسية تجاوزت 60% من الحوادث المسجلة خلال عام 2025. إن استمرار هذا النزيف البشري، والمتمثل في 566 حادثة و26 وفاة في دمشق وحدها خلال النصف الأول من عام 2026، يؤكد أن سياسة «المصادرة» وحدها ليست كافية أو مجدية.
وهنا تبرز الحاجة الملحة للانتقال نحو إطار قانوني وتنظيمي متكامل يشمل فرض الترخيص الإلزامي، وإنشاء قاعدة بيانات شاملة تربط المركبة بمالكها، وتفعيل الفحص الفني الدوري؛ لضمان تحقيق الردع القانوني وحماية الأرواح بعيداً عن الحلول الجزئية.
وفي هذا السياق، يُعد الالتزام الصارم بضوابط السلامة المرورية ضرورة حتمية، ما يتطلب تفعيل استصدار التراخيص، ولوحات تسجيل المركبة، وارتداء الخوذة وأدوات الوقاية، مع التشديد على منع القُصَّر من القيادة. ولضمان الامتثال، يجب تطبيق نظام عقوبات حقيقي ورادع يشمل الملاحقة القضائية للمخالفين.
وبموازاة ذلك، ينبغي اعتماد مقاربة مرنة تمنح استثناءات مقننة عبر تصاريح مهنية لفئات محددة، تشمل كبار السن الذين يفتقرون إلى بدائل النقل، وعمال التوصيل والخدمات.
فاستمرار غياب القانون يفرض واقعاً مأساوياً لا يمكن التغاضي عنه؛ فالتنظيم والتجريم والمحاسبة هي ثلاثية لا يقبل المجتمع بديلاً عنها لحفظ الأرواح والمقدرات.
فكل يوم يمضي هو ضوء أخضر لاستباحة الدماء وهدر الحقوق، وتحويل الفضاء العام إلى ساحات للفوضى والخطر. فقد بلغت حالة الاستياء ذروتها؛ ولم يعد هناك متسع للمهادنة؛ فالمطالبة بالمحاسبة الفورية هي ضرورة قصوى لوقف التعدي السافر على أمن الجميع!