رفع المازوت... وفوضى أجور النقل
لم يكن قرار رفع سعر المازوت بنسبة 40% مجرد تعديل رقمي على جدول أسعار المشتقات النفطية، بل كان شرارة انفجار جديدة في وجه المواطن السوري المفقر أصلاً.
فبعد ساعات من تطبيق القرار هرعت شركات النقل الخاصة إلى رفع أجورها بشكل عشوائي وكيفي، دون انتظار أي قرار رسمي يحدد سقفاً للزيادة أو معايير واضحة تحكمها، لتتحول رحلة الراكب بين المحافظات من ضرورة حياتية إلى عبء مالي قد يفوق قدرة أسرة كاملة.
خلال رصد ميداني لأجور النقل من دمشق إلى باقي المحافظات عبر مراكز الانطلاق في العباسيين وحرستا، تتكشف حجم الفوضى التسعيرية التي يعيشها قطاع النقل بين المحافظات.
فالأجرة إلى حلب ارتفعت إلى 1500 ل.س جديدة بعد أن كانت تتراوح بين 1200-1350 ل.س، بزيادة تتراوح بين 11,11-25%، بينما قفزت أجرة حمص بنسبة 22,22% من 900 إلى 1100 ل.س أما القامشلي، فارتفعت الأجرة من 2000 إلى 2500 ل.س بنسبة زيادة 25%، والحسكة من 1500 إلى 2000 ل.س أي ارتفعت بنسبة 33,33%، وإلى اللاذقية، تذبذبت الزيادة بين 11,11-50%، إذ كانت الأجرة تتراوح بين 1000 و1350 ل.س فأصبحت 1500 ل.س.
لكن المفارقة الأكثر إدانةً تكمن في التناقض الصارخ بين الشركات العاملة على الخط نفسه، فبينما تتقاضى إحدى الشركات 1350 ل.س إلى اللاذقية، تفرض أخرى 1500 ل.س، ما يكشف غياب القرار المركزي الذي يحدد نسبة الزيادة وفق معايير واضحة تأخذ في الحسبان أسعار المحروقات، والكلفة الكيلومترية، وطبيعة الطرق، وتكاليف الصيانة والتشغيل.
هذا الفراغ التنظيمي منح الشركات حرية مطلقة للتحكم بالراكب، وتحويل حاجة للسفر إلى فرصة للاستغلال الجشع.
وتتضاعف المأساة، فغالبية الركاب من الفئات الأكثر فقراً؛ طلاب جامعيون يقطعون المحافظات أسبوعياً، ومرضى يراجعون مستشفيات العاصمة لتلقي العلاج، وموظفون لا يجدون بديلاً عن السفر الدوري، ليجد الراكب نفسه أمام شركات ترفع التسعيرة «حسب المزاج» دون أدنى حد للرقابة.
ما يجري اليوم ليس «تحريراً للأسعار» كما يحاول البعض تبريره، بل هو انفلات سعري منظم لصالح شركات خاصّة تتنافس على نهب جيوب الفقراء، في ظل غياب دولة تحمي مواطنيها.
المطلوب ليس«إصلاحاً» بتعميمات تنفي أو تؤكد، بل قرار رسمي ملزم بنشرة تعرفة واضحة تحدد سقفاً للزيادة وفق معايير علمية ورقابة ميدانية صارمة تُلزم جميع الشركات دون استثناء، فحماية المواطن من جشع الشركات ليست ترفاً، بل اختبار حقيقي لإرادة الدولة في حماية مواطنيها من الاستغلال.