Skip to main content

حين يصبح البحر أهون من البقاء

 |  قاسيون  |  محليات

ليست القوارب التي تخرج من الساحل السوري بحثاً عن طريق إلى الخارج مجرد أخبار أمنية عابرة، ولا مجرد ملفات لمكافحة التهريب. إنها صفعة في وجه كل خطاب يحاول تصوير الواقع وكأن السوريين لم يعودوا يملكون أسباباً للرحيل. فمن يضع مدخراته في يد مهرّب، ويصعد إلى زورق قديم، ويغامر بالغرق والاعتقال والاستغلال، لا يفعل ذلك بحثاً عن نزهة؛ إنه يهرب من واقع يدفعه إلى المجازفة بالمجهول. 

خلال عام 2026 وحده، لم تعد محاولات المغادرة غير النظامية حوادث متفرقة. ففي شباط ضُبطت شبكة كانت تستعد لنقل ركاب من ساحل طرطوس إلى قبرص، وفي أيار أوقف 26 شخصاً كانوا يحاولون التوجه بحراً نحو قبرص. وفي آب أحبط خفر السواحل محاولة أخرى وضبط القارب والوقود المعد للرحلة. ثم جاء أيلول حاملاً حادثتين بالغتي الدلالة؛ في 8 أيلول أنقذ الجيش اللبناني أكثر من عشرين شخصاً بعد تعطل قارب انطلق من الساحل السوري، وأُعيد لاحقاً 21 سوريّاً إلى سورية. وفي 22 أيلول أوقفت القوات البحرية السورية قبالة اللاذقية زورقاً على متنه 21 شخصاً يحاولون مغادرة البلاد، إضافة إلى سائق وميكانيكيّ وثلاثة متهمين بتهريب البشر.
هذه ليست نهاية الظاهرة، بل ما ظهر منها. وما دام البحر يتحول إلى منفذ، والمهربون يجدون زبائن مستعدين لدفع الثمن، فهناك طلب حقيقي على الهروب من الداخل إلى الخارج. أما عدد الرحلات التي لم تُكتشف فلا يمكن تحديده، ولذلك لا يجوز تحويلها إلى أرقام؛ لكن تكرار المحاولات خلال عام واحد يكفي لإثبات أن الظاهرة مستمرة.
المشكلة إذاً ليست في القوارب وحدها ولا في المهربين وحدهم. المشكلة في الظروف التي تجعل السوري يفكر بأن المخاطرة بحياته قد تكون أقل قسوة من البقاء. 
الفقر، انهيار القدرة الشرائية، البطالة، انعدام الأمان، هشاشة الخدمات، والقلق على المستقبل ليست تفاصيل هامشية؛ إنها عوامل طاردة تدفع الناس دفعاً نحو الخارج.
ومسؤولية الحكومة لا تنتهي عند مطاردة الزورق. تستطيع الدولة أن توقف القارب، لكنها لا تستطيع توقيف رغبة الناس في الرحيل بالقوة. إذا بقيت السياسات عاجزة عن توفير حياة قابلة للاحتمال، فستبقى القوارب دليلاً عائماً على فشل معالجة أسباب الهجرة، وسيبقى المهربون يبيعون الوهم لمن ضاق بهم الداخل حتى صار المجهول يبدو أقل سوءاً من الوطن.