خرجت وزارة الأشغال العامة والإسكان بتاريخ 23 أيلول بخطة طموحة تتحدث عن إنتاج ومعالجة نحو مليوني وحدة سكنية حتى عام 2035، وخفض العجز السكني بأكثر من 70%. أرقام كبيرة تبدو للوهلة الأولى كأنها تحمل حلاً لأزمة سكنية خانقة، خصوصاً مع إعلان الوزارة أن الفجوة بلغت نحو 1,9 مليون وحدة عام 2025، وقد ترتفع إلى 2,5 مليون وحدة عام 2030.
لكن خلف هذه الأرقام سؤال أكثر أهمية من عدد الوحدات: من هم الذين ستُبنى هذه المساكن من أجلهم؟
فالفجوة السكنية ليست فجوة بين السوريّين القادرين على شراء العقارات الفاخرة وبين السوق العقارية. إنها، قبل كل شيء، أزمة ملايين الأسر التي أفقرتها الحرب وتراجع الدخل وارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة، وأصبح امتلاك مسكن بالنسبة إلى معظمها حلماً بعيد المنال.
وهنا تبدأ المفارقة. فالمشاريع التي خرجت من إطار التصريحات إلى التنفيذ تبدو، في جانبها الأبرز، مشاريع تطوير واستثمار عقاري بالشراكة مع القطاع الخاص.
ففي «أبيات هيلز» مثلاً، تقدم الدولة الأرض، بينما تتولى الشركة الخاصة تطوير المشروع، الذي يضم شققاً وتاون هاوس وفللاً. وقد حُجزت الوحدات المعلنة لاحقاً بالكامل خلال فترة قصيرة.
وفي «شام فيو» يجري تطوير آلاف الوحدات السكنية والتجارية والفندقية على مساحة واسعة، بتمويل استثماري خاص. مشروع ضخم بلا شك، لكنه لا يظهر، وفق التفاصيل المنشورة، بوصفه برنامجاً للإسكان الاجتماعي يستهدف الأسر التي لا تستطيع شراء مسكن بأسعار السوق.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت الدولة تقدم الأرض العامة أو المستملكة، فمن حق المواطن أن يعرف ماذا سيحصل عليه مقابل هذا الأصل العام.
هل سيحصل الفقير على مسكن؟
هل هناك نسبة ملزمة من الوحدات للإسكان الاجتماعي؟
هل هناك سقف لسعر المتر؟
هل هناك أقساط تتناسب مع دخل العامل والموظف؟
هل ستذهب الوحدات إلى الأسر التي تعجز عن دفع إيجارها، أم إلى من يملك القدرة على شراء العقار والاستثمار فيه؟
حتى الآن، لا تظهر هذه التفاصيل في المشاريع الاستثمارية المعلنة بالوضوح نفسه الذي تظهر فيه أسماء الشركات ومساحات المشاريع وأعداد الوحدات ومدد التنفيذ.
المفارقة أن الدولة تتحدث عن خفض عجز سكني بملايين الوحدات، بينما المواطن الذي يمثل جوهر هذا العجز لا يرى أمامه برنامجاً مماثلاً في الحجم والوضوح يحدد له: أين سيُبنى مسكنه؟ وكم سيكلف؟ وكيف سيتمكن من دفع ثمنه؟
ليس المطلوب إلغاء الاستثمار الخاص، ولا منع الشركات من تحقيق الأرباح. المطلوب أن يكون للأرض العامة ثمن اجتماعي واضح. فإذا كانت الدولة تقدم الأرض، فمن الطبيعي أن تحصل الأسر الأكثر حاجة على حصة واضحة ومضمونة من الناتج، لا أن تتحول الأرض العامة إلى مجرد رافعة لزيادة قيمة المشاريع العقارية الخاصة وأرباحها.
إن بناء آلاف الوحدات للمقتدرين قد يزيد المخزون العقاري، لكنه لا يعني بالضرورة معالجة الفجوة السكنية للفقراء.
المعيار الحقيقي لنجاح خطة المليوني وحدة ليس عدد الأبنية التي سترتفع، ولا حجم الاستثمارات التي ستدخل السوق، بل عدد الأسر المفَقّرة ومحدودة الدخل التي ستخرج من الإيجار والعجز إلى مسكن لائق تستطيع تحمل كلفته.
وحتى يصبح هذا الرقم واضحاً ومعلناً، ستبقى الخطة، مهما كان طموحها، أقرب إلى خطة لتوسيع النشاط العقاري والاستثماري منها إلى خطة معلنة بوضوح لإنقاذ من لا يستطيع شراء السكن.
فالسؤال الذي ينتظر إجابة ليس: كم وحدة ستبنون؟
بل: كم وحدة للفقراء؟ ومن سيدفع ثمنها؟ ومتى يستطيعون السكن فيها؟