لم يعد البحث عن سكن للإيجار في سورية مجرد رحلة بحث عن جدران تحتمي بها عائلة، بل تحول إلى معركة مستمرة ضد جشع ممنهج وغياب شبه كامل لأي رقابة أو تشريع يحمي المستأجر، فسوق الإيجارات، الذي يُفترض أن يكون ملاذاً لمن عجز عن الشراء، تحول إلى سوق للمضاربة والاستغلال، حيث تُسعّر بدلات الإيجار بالدولار وتُفرض شروط تعجيزية على مواطن لا يكاد يجد قوت يومه.
كما أن ارتفاع تكاليف الترميم، وتراجع قيمة العملة، وزيادة الطلب نتيجة عودة النازحين والمهجرين في المخيمات، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الأزمة، في وقت تعاني فيه البلاد من فجوة سكنية قُدرت بـ 1,9 مليون وحدة في عام 2025 وقد ترتفع إلى 2,5 مليون وحدة بحلول 2030، بحسب تصريح لمعاون الوزير «عماد المصري» لسانا بتاريخ 23/9/2026.
ففي دمشق، قفزت الإيجارات لتتجاوز 1000 دولار شهرياً في بعض الأحياء، بينما تتراوح إيجارات الشقق في حماة بين 200 و300 دولار بالحد الأدنى، كما إيجار غرفة في ريف دمشق 100-200 دولار، وهو مبلغ يلتهم دخل الموظف.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل هي شهادة على انفصال تام بين الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن المفقر.
والأمر لا يتوقف عند الارتفاع، بل يتعداه إلى آليات استغلال ممنهجة، فغياب أي تشريع يحدد سقفاً للزيادات منح السماسرة سلطة شبه مطلقة، يرفعون الإيجار بنسبة تصل إلى 50% سنوياً بالتنسيق مع أصحاب الملكيات، بينما تُسجل العقود بقيم أقل من المدفوع فعلياً للتهرب من الضرائب والرسوم.
والأخطر من ذلك هو ظاهرة «الإخلاء القسري»، التي أصبحت أداة ضغط على المستأجرين بحجة الرغبة في البيع، ليُعاد تأجير العقار نفسه بأسعار مضاعفة.
بالمقابل فإن المستأجر الذي أصلح ورمم وتحمل بعض النفقات على المنزل المستأجر، يتمسك به تفادياً لرحلة جديدة من الخسائر ومعاناة إيجاد منزل بديل في ظل هذا الواقع الكارثي، فيضطر لتحمل زيادات تعسفية.
ما يعيشه السوري اليوم ليس أزمة سكن عابرة، بل هو قهر مقنّع وفقر عارٍ يلتهم دخله في ظل معيشية خانقة لا تحتمل المزيد من الأعباء.
المطلوب ليس بيانات ووعوداً لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تدخل حقيقي يفرض سقفاً عادلاً للإيجارات، ويحاسب السماسرة والمحتكرين، ويُطلق برنامجاً وطنياً للإسكان «للأكثرية المفقرة» يؤمّن سقفاً يحتمون به من لهيب هذا الاستغلال الممنهج.