Skip to main content

السرافيس... نقل على حافة الخطر

 |  قاسيون  |  محليات

في زمن يُفترض أن تكون فيه السلامة العامة أولوية، تتحول كثير من مركبات النقل الجماعي في سورية إلى مصدر يومي للخطر، ويدفع الركاب ثمن الإهمال من سلامتهم وأرواحهم. مقاعد مهترئة، نوافذ مكسورة، أبواب تُربط بالحبال، وقطع معدنية بارزة من الهيكل الداخلي أو الخارجي للمركبة قد تجرح الأيدي والأرجل؛ تفاصيل لم تعد استثناءات فردية، بل مشاهد تتكرر في شوارع المدن ووسائل النقل العامة.

هذه ليست مجرد أعطال بسيطة يمكن التغاضي عنها، بل مؤشرات على تراجع شروط السلامة وغياب الرقابة الفاعلة على جزء من أسطول النقل العام، في وقت يفترض فيه أن تكون سلامة الراكب خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
شهادات الركاب تروي جانباً من هذه المعاناة. تقول إحدى الشابات إنها أُصيبت بجرح في يدها بسبب جزء معدني حاد بارز بجانب أحد المقاعد، فيما يتحدث آخرون عن أبواب غير آمنة وحوادث سقوط كادت أن تنتهي بعواقب أخطر. وتقول إحدى المعلمات إنها تشعر بالخطر بشكل متكرر، فيما يضطر السائق إلى ربط باب السرفيس بحبل حتى لا يتهاوى أو ينفتح أثناء السير.
هذه المشاهد تطرح سؤالاً أساسياً: كيف تستمر مركبات بهذه الحالة في نقل المواطنين يومياً؟
فالقانون واضح فيما يتعلق بالفحص الفني؛ إذ تنص المادة 93 من قانون السير والمركبات رقم 31 لعام 2004 على خضوع المركبات العمومية للفحص الفني الدوري مرة كل سنة، بعد مرور ثلاث سنوات على وضعها بالسير لأول مرة، كما تجيز المادة 94 للسلطات المختصة إخضاع أي مركبة لفحص فني أثناء سيرها للتأكد من استيفائها الشروط المطلوبة.
لكن السؤال لا يتعلق بوجود النص القانوني فقط، بل بمدى تطبيقه فعلياً. فإذا كانت مركبة تحمل ركاباً بشكل يومي، وهي تعاني من أبواب متهالكة أو أجزاء معدنية خطرة أو أعطال واضحة في التجهيزات الأساسية، فكيف اجتازت الفحص؟ وكيف تستمر في الخدمة بعد ذلك؟
وتتحدث شهادات متداولة بين العاملين في القطاع عن لجوء بعض أصحاب المركبات إلى إصلاحات مؤقتة أو استبدال بعض القطع قبل الفحص، ثم العودة إلى استخدامها بحالتها السابقة بعد اجتيازه. وإذا صحت هذه الممارسات، فإنها تعني أن الفحص يتحول من أداة حقيقية لضمان السلامة إلى إجراء شكلي، وهو ما يستوجب التحقيق والرقابة والمحاسبة.
المشكلة هنا لا تقع على عاتق السائق وحده. فالسائق يعمل في ظروف اقتصادية صعبة، وقد لا يملك القدرة على تحمل تكاليف الصيانة والإصلاح المستمر، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً لتعريض حياة الركاب للخطر. وفي المقابل، لا يمكن أن تتحول صعوبة أوضاع السائقين إلى ذريعة لترك مركبات غير آمنة في الخدمة.
المطلوب ليس ترقيعاً جديداً، بل إجراءات واضحة وحاسمة؛ فحص فني حقيقي ومستقل، ورقابة ميدانية مستمرة، وإخراج المركبات غير الصالحة من الخدمة، وإلزام أصحابها بالصيانة، مع توفير حلول واقعية للسائقين الذين لا يملكون القدرة على تجديد مركباتهم أو إصلاحها.
فالمواطن يريد وسيلة نقل آمنة، والسائق يريد لقمة عيش كريمة، والدولة مطالبة بأن تضع سلامة الطرفين في مقدمة مسؤولياتها.
أما استمرار نقل الركاب بمركبات تفتقر إلى أبسط شروط السلامة، ثم انتظار وقوع الحوادث للتحرك، فليس إدارةً لقطاع النقل، بل تركٌ للأرواح في مواجهة الخطر.
الراكب ليس رقماً في خط نقل، والسائق ليس الحلقة التي تتحمل وحدها فشل المنظومة؛ المسؤولية تبدأ من الرقابة، وتنتهي عند ضمان أن كل مركبة تحمل مواطنين على الطريق صالحة فعلاً لنقلهم.