لم يعد مربي المواشي يطارد الربح، بل يلهث خلف نعش قطيعه، فبعد رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تتراوح بين 25-40% كانت «طلقة رحمة» على قطاع الثروة الحيوانية الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتحوّل العلف إلى عبءٍ خانق، ودخول تأمين المياه لسقاية الماشية قائمة التكاليف، تحوّل مربو الأبقار إلى ضحايا سياسات اقتصادية عشوائية، تدفع البلاد نحو هاوية أمن غذائي حتمي.
حسابات الخراب
لم يعد سعر كيلو الحليب رغم ارتفاعه بنسبة 20% من المربي (من 50 إلى 60 ل.س جديدة) يغطي حتى ثمن كيلو العلف نفسه، ليبقى مجرد «رقم على ورق» أمام تكاليف إنتاج تلتهم كل شيء. فبعد رفع الديزل، قفزت الأعلاف إلى 60 ل.س/كغ، بعد أن كان بـ 50 ل.س، أضف إلى ذلك تكاليف النقل والتبريد والعناية البيطرية، لتتحول كل بقرة إلى خسارة متنقلة.
الموت بالماء
جفّت الينابيع الرئيسية في محافظة درعا، وفي معظم الآبار السطحيـة في قرى الريف الغربي، فأصبح المربي يشتري برميل المياه (200 لتر) بـ 100 ل.س يومياً لسقاية رأس بقر واحد، فكيف يعيش قطيع من أربعة رؤوس فقط على سبيل المثال؟
ببساطة، حسب أحد المربين، بيع اثنان، والاكتفاء باثنين لسدّ القوت اليومي والتكاليف، هذه ليست تربية مواشٍ، بل انتحار اقتصادي بطيء.
المستهلك في المرمى
كل ارتفاع في سعر الحليب سينعكس فوراً على مشتقاته من الأجبان والألبان، فقد قفز كيلو الحليب الطازج إلى نحو90 ل.س من المزرعة، والجبنة البلدية إلى 450-600 ل.س، أي أن المواطن المفقر، الذي يعتمد على الحليب كغذاء شبه يومي لأطفاله، سيدفع فاتورة تقاعس الدولة مرتين: مرة في السوق، ومرة في صحة أطفاله، لتصبح هذه المنتجات من الكماليات!
فهل يحتاج أحد إلى دليل على أن السياسات الزراعية تحوّلت إلى حرب إبادة ممنهجة ضد صغار المنتجين؟
فمن يترك قطيعاً يموت عطشاً، أو مربياً يبيع جزءاً منه ليؤمن قوت يومه، يساهم في وأد الأمن الغذائي وإنهاك الاقتصاد الوطني.
على الحكومة والجهات المعنية أن تتحرك، لا لتقديم مسكنات، بل لإسقاط سياسة رفع الدعم عن المحروقات والأعلاف، وإعادة الاعتبار لمن يطعم الناس. فسورية لا تُبنى ببيانات باردة، بل بثروة حيوانية حية، وحقل مروي، ومربٍ لا يبيع قطيعه ليعيش!
وإلا فليُكتب على شواهد القرى: هنا ماتت الثروة الحيوانية، وبقيت الدولة تتفرج!