حين أعلنت الحكومة عن ثلاثة أسعار للمازوت، بدا للوهلة الأولى أنها تراجعت أمام الغضب الشعبي، وحاولت تقديم مخرج يخفف وطأة رفع السعر بنسبة 40%. قيل إن مازوت التدفئة والزراعة سيباع بـ115 ليرة، وإن فئات من النقل والقطاعات الإنتاجية ستحصل عليه بـ150 ليرة، بينما يبقى السعر العام عند 175 ليرة.
لكن المشكلة أن المواطن لا يعيش على البيانات الرسمية، بل على ما يجده فعلياً في السوق.
وحتى الآن، بقي سعر 175 ليرة هو السعر الذي يحكم الواقع، فيما ظلت أسعار 115 و150 أقرب إلى إعلان سياسي مؤجل منهما إلى آلية دعم قابلة للاستخدام. لا قوائم واضحة للمستحقين، ولا شبكة معلنة للمحطات التي تبيع بالسعر المخفض، ولا كميات محددة، ولا جدول زمني واضح يجعل المواطن يعرف متى وأين وكيف يحصل على حقه.
هنا تكمن المفارقة الفاضحة: رفع السعر طُبق فوراً، أما تخفيفه فاحتاج إلى خطط وإجراءات وتنسيق وانتظار.
قد تقول الحكومة إن المسألة تحتاج إلى ترتيبات فنية ولوجستية، وهذا ممكن. لكن استمرار الفجوة بين الإعلان والتنفيذ يجعل من المشروع طرح سؤال مشروع: هل كان إعلان الشرائح جزءاً من سياسة دعم حقيقية، أم استجابة عاجلة لامتصاص الغضب الذي انفجر في الشارع؟
لا يمكن الجزم بنوايا أصحاب القرار، لكن يمكن الحكم على النتائج؛ السعر المرتفع أصبح واقعاً، والسعر المخفض لم يصبح واقعاً بعد.
وهذا يعني أن المواطن تلقى الجزء المؤلم من القرار فوراً، بينما بقي الجزء الذي يفترض أن يحميه معلقاً على وعود التنفيذ.
في النهاية، لا قيمة كبيرة لإعلان ثلاثة أسعار إذا كان المواطن لا يستطيع شراء المازوت إلا بسعر واحد.
الدعم الذي لا يصل إلى مستحقه ليس دعماً؛ إنه مجرد رقم في بيان رسمي.