نتيجة نقص المواقف مقابل الزيادة الكبيرة في عدد السيارات، تحولت الشوارع إلى حلبة صراع، وبات من الطبيعي ظهور خلافات قد تصل حد الضرب! وبرزت ظاهرة حجز المواقف غير القانونية عبر السلاسل والأعمدة الحديدية. وخلقت هذه الأزمة سوقاً غير رسمية لبيع المواقف، حيث يقوم بعض الأفراد بتحصيل مبالغ شهرية مقابل السماح بالوقوف في مساحات لا يملكونها قانونياً.
ومن هنا تطرح السلطات المحلية مشاريع المواقف المأجورة كمبادرة «تنظيمية»، بهدف ضبط الوقوف العشوائي وتحسين انسيابية المرور، وتؤكد أن الشوارع تبقى «أملاكاً عامة» وأن المستثمر يحصل على حق «مؤقت» مقابل بدل مالي. ولكن بالنظر إلى الواقع التنظيمي لهذه «الاستثمارات» فإنها تكشف عن سياسات تعتمد على الجباية السهلة بدلاً من حلول مستدامة.
تتجلى المشكلة الأبرز في التكلفة الباهظة، فبالنظر إلى نموذج حمص الذي طرحه مجلس المدينة في الآونة الأخيرة، فإن التسعيرة تبلغ 20 ليرة في الساعة، وغرامة 40 ليرة عن كل ساعة مخالفة، أي نحو 3200 ليرة شهرياً، بافتراض اضطرار أحدهم لركن سيارته خلال 8 ساعات عمل.
وهذا الارتفاع في التعرفة لا يوازيه أي تحسن ملموس في البنية التحتية أو الخدمات المقدمة، ما يجعل الأمر أشبه بضريبة إضافية على التنقل اليومي.
وبينما تندرج هذه السياسات في إطار تغطية العجز المالي لدى المحافظات، إلا أن الحلول المعتمدة تذهب إلى استنزاف المواطن بدلاً من خلق قيمة اقتصادية حقيقية.
خاصة وأن المستثمر يبدأ بجني الأرباح فوراً من دون الالتزام بالتعهدات المتعلقة بصيانة الحفر والأرصفة وتركيب كاميرات، ما يكشف عن خلل في آلية منح العقود والرقابة.
والمشكلة الجوهرية أن هذه الاستثمارات لا تعالج الأسباب الجذرية لأزمة المرور، فبدلاً من خلق بدائل حقيقية مثل تطوير النقل العام وبناء مواقف طابقية، ووضع سياسات تسعيرية عادلة تأخذ في الاعتبار القدرة الشرائية، تختار المحافظات الحل الأسهل، عبر تحويل شوارع قائمة إلى مواقف مدفوعة.