Skip to main content

مشاريع الفُتات... وجهٌ آخر لفقر السوريين

 |  قاسيون  |  محليات

لا حديث في سورية عن «ريادة» في المشاريع المنزلية فالواقع يقدمها بوضوح وقسوة في ظل انهيار القدرة الشرائية وغياب فرص العمل؛ مشاريع متناهية الصغر «صناعةً منزلية»، لكنها بحجمها الفعلي ليست سوى «مشاريع مُساعِدة أو مُعيلة» لتغطية جزء من تكاليف المعيشة الخانقة، لا أكثر.

تتوزع هذه المشاريع بين صناعة المؤونة والمجففات والمربيات، كالحلويات والألبان والأجبان، وحتى الكروشيه والملابس الصوفية المصنوعة يدوياً، لكنها جميعاً تعمل بمعادلة خاسرة؛ تكاليف مرتفعة، ومردود بالكاد يغطي التكلفة، فكيلو «الهبول» يباع بـ 750 ل.س جديدة ويُنتج بربح لا يوازي الجهد فلا يتجاوز 10%، وكذلك دبس الرمان بالكلفة ونسبة الربح ذاتها. 
لا رب عمل ولا عامل بأجر، بل أسرة متكاتفة داخل جدران منزلها لتنتج ما يسدّ رمقها وتتحمل الربح والخسارة معاً وحتى كساد المنتجات في حال عدم بيع الكمية كاملة أو تخلف الزبون الذي طلبها عن الشراء.
المؤسف والكارثي على مستوى الأسر العاملة بمثل هذه المشاريع المنزلية، أن معظمها لا تصل إلى الاستدامة وتموت صامتة، فهي تفتقر إلى أبسط مقومات النجاح؛ تمويل حقيقي يرفع الإنتاجية، وشبكات توزيع، وأسواق تدعم وتروج لجودة المنتج بدل أن تبتلعه بأسعار بخسة. والجهات المعنية- هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وزارة الشؤون الاجتماعية، وحتى المنظمات الدولية- ما زالت تدور في فلك المبادرات الشكلية والقروض الصغيرة التي لا تنقذ المشروع من عثرته.
إلى متى تبقى أسر سورية المفقرة تُنتج وتتعب لتأكل «فُتاتًا»، بينما السياسات الاقتصادية المجحفة تُبقيها خارج حسابات التنمية؟
الحل ليس بمبادرات إعلامية وترقيعية هنا وهناك، بل بتمويل حقيقي، وأسواق منظمة، وإرادة رسمية تكسر حيتان السوق.
الخطر الأكبر أن يتحول الفقر إلى حرفة، فهذه الأسر التي تنتج وتُسوّق وتُخزّن، دون ضمان أو رعاية أو حتى اعتراف قانوني. هي ليست «ريادة أعمال»، إنها هزيمة مموّهة بابتسامة. وحتى تتحول هذه المشاريع إلى رافعة اقتصادية، يجب أولاً الاعتراف بأنها بواقعها الراهن ليست مشاريع، بل ضرورة نجاة لا أكثر.