مع بدء موسم حصاد الأسماك في سهل الغاب، يواجه المربون أزمة تسويقية حادة تهدد استمرار عملهم. ففي الوقت الذي تبدأ فيه الأحواض إنتاجها المحلي، تتدفق إلى الأسواق شحنات مستوردة مجمدة، أبرزها السمك المصري، بأسعار تتراوح بين دولار ونصف ودولارين للكيلوغرام.
وهذا السعر، بحسب المربين، أقل بكثير من كلفة الإنتاج المحلي التي تصل إلى ثلاثة أو أربعة دولارات للكيلوغرام، ما يدفع المربين إلى البيع بخسارة، أو العزوف تماماً عن تربية الأسماك.
ورغم أن المنتج المحلي طازج مقارنة بالمستورد، إلا أن القدرة الشرائية المتراجعة تدفع المستهلك نحو الأرخص، بينما يتحمل المربي كلفة الأعلاف والمازوت والمولدات والأوكسجين، فيما يضطره انقطاع الكهرباء إلى تشغيل المولدات ليلاً، والاعتماد على الطاقة الشمسية نهاراً، في ظل غياب الدعم والتسهيلات.
والأزمة هنا اجتماعية بامتياز، لا اقتصادية فحسب؛ فالمتضررون ليسوا شركات كبيرة، بل مئات العائلات، بينها أسر عادت مؤخراً من المخيمات، واستدانت لتأهيل مزارعها المتهالكة.
والمشكلة الأعمق هي غياب الحوكمة؛ فالمربون لا يطالبون بقطع الاستيراد نهائياً، بل بتنظيمه وتأجيل دخول الشحنات المجمدة خلال أشهر ذروة الإنتاج المحلي. وهذا مطلب واقعي؛ فلو وجد تنسيق بين وزارة الزراعة، والجمارك، ومربي الأسماك، لأمكن وضع تقويم يراعي الإنتاج المحلي.
لكن الواقع أن المربين محدودي الأدوات؛ فهم لا يملكون سلطة ضبط الاستيراد، ولا قدرة على الشراء التعاوني، ولا مخازن تبريد، ولا عقود تسويق جماعية. وفي الوقت نفسه، انسحبت الدولة من أشكال الدعم السابق، التي شمِلت دعم الأعلاف والمازوت، وآليات حفر القنوات، وتعزيل المصارف. واليوم يتحمل المزارع وحده كلفة البنية التحتية، بينما يُترك لمواجهة سوق مفتوح بلا قواعد.
وهنا يظهر المستوردون والوسطاء الذين يجدون في الاستيراد فرصة للتربّح السريع وبأقل كلفة ممكنة على حساب المنتج المحلي والأمن الغذائي.
وأمام إنتاج فردي محاصر بغياب التخطيط الموسمي، وانسحاب الدعم، وضعف التنظيم التعاوني، وسوق بلا ضوابط، لا تُعد مطالب المربين مستحيلة؛ فهم يطالبون بدولة تحمي موسمهم، وتنظّم الاستيراد، وتدعم الإنتاج. وإذا استمر الوضع، فلن يخسر المربون وحدهم، بل سيخسر البلد قدرته على إنتاج جزء من غذائه، ويصبح رهينة لسلة استيراد لا سعرها يرحم ولا توقيتها.