إن رفع أسعار المازوت بنسبة 40% هو صدمة مباشرة لأكثر من 90% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر. فإذا كانت الأسرة تحتاج إلى 400 ليتر من المازوت كحد أدنى مع التقشف في فصل الشتاء، وبسعر 175 ليرة لليتر، فإن فاتورتها لن تقل عن 70,000 ليرة.
وإذا كان متوسط الأجر الشهري 150 دولاراً، فإن هذه الفاتورة وحدها تلتهم ما يعادل نحو أربعة رواتب شهرية!
وحتى بحال نجحت خطة الدعم الموعودة، وتم توفير مازوت التدفئة بسعر 115 ليرة لليتر، تتقلص الفاتورة إلى 46,000 ليرة، لكنها تبقى لتلتهم رواتب أكثر من شهرين.
هذه المعادلة لا تعني أن التدفئة أصبحت خارج متناول معظم الأسر فقط، بل تعيد تشكيل أولويات الإنفاق الأسري. حيث تحول المازوت إلى بند يزاحم الغذاء والدواء وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وكل زيادة في كلفة الطاقة تنتقل تلقائياً إلى النقل والإنتاج والأسعار، ما يمعن في ضرب القوة الشرائية ويزيد الاعتماد على بدائل غير آمنة، إن كانت متاحة أصلاً، أو التخلي عن التدفئة كلياً.
والمشكلة ليست في السعر وحده، بل في بنية دخل لا تستوعب الصدمات المتكررة؛ فيما يؤدي ذلك إلى تحول التدفئة من حاجة أساسية إلى أداة إفقار وتعميق للفالق الطبقي. ومع استمرار الاعتماد على الاستيراد وتراجع الإنتاج المحلي، فإن أي ارتفاعات لاحقة خلال الشتاء ستضاعف العبء على الأسر التي لم يعد لديها أي هامش للتقشف.
فمع اقتراب الشتاء، لا تبدو التدفئة رفاهية فقط، بل مؤشر على فشل نموذج اقتصادي يترك 9 من كل 10 سوريين خارج الأمن المعيشي. ومن دون تغيير بنيوي وجذري للطاقة والأجور والدعم، سيكون هذا الشتاء أقسى من سابقه.