Skip to main content

الصيد الجائر... استنزاف منظم وفراغ رقابي

 |  قاسيون  |  محليات

لم يعد الصيد الجائر سبباً منفصلاً عن الأزمة، بل أحد أعراضها ونتائجها في الوقت نفسه. فحين يتحول الصيد من هواية منظمة إلى «استنزاف صامت»، فذلك يعني أن الطبيعة أصبحت مورداً يُستنزف لتعويض عجز الاقتصاد، لا نشاطاً ترفيهياً أو تجارياً موسمياً.

فغياب الرقابة التام والعقوبات الرادعة جعل الصيد شبه مجاني ومنفلتاً من حيث مخاطر المحاسبة، مع ما يوفره بيع الطيور والحيوانات، أو استهلاكها، أو تهريبها من عائد مرتفع ومباشر، وفي ظل انهيار الزراعة والثروة الحيوانية وفرص العمل، يصبح الصيد «صندوق أمان» للبعض.
ففيما يمارس البعض صيد الكفاف للحصول على غذاء أو دخل صغير، يمارس تجار وشبكات تهريب صيداً تجارياً هو الأكثر تدميراً لاستهدافه الأنواع النادرة والمطلوبة في الأسواق المحلية والإقليمية.
وهنا تظهر المفارقة؛ فالفقر بات يدفع البعض نحو الصيد الجائر، لكن الأرباح الكبرى غالباً لا تعود إلى الصياد، بل إلى الوسطاء وتجار التهريب وأسواق الطلب المحلية والإقليمية. وهكذا يتحول التنوع الحيوي إلى مخزون سلعي يُباع في السوق السوداء.
والنتيجة استنزاف للطبيعة؛ حيث تُستَهدف الطيور المهاجرة والجوارح والأرانب وحتى السلاحف البرية، وتُقتل الذئاب والضباع. كما اختفت أنواع مثل النمر الأناضولي، والفهود، والغزلان، والحمار البري السوري، والنعامة السورية، والمها العربي، وتوقفت طيور مثل نسر غريفون والنسر الأسود والحبارى عن التكاثر.
وهذا تآكل لرأس المال الطبيعي، وتعميق للفقر، وإضعاف للأمن الغذائي، وطمس للهوية البيئية، لا يقتصر فقط على الخسارة البيئية.
والمطلوب عاجلاً معالجة جذرية لا تتوقف عند حدود تفعيل الرقابة والعقوبات على الصيد والتهريب؛ بل المفترض ملاحقة ومساءلة شبكات التهريب، وكشف المستفيدين ومحاسبتهم، وربط حماية الطبيعة بالعدالة الاجتماعية. فاستمرار الصمت بهذا الملف يعني استنزافاً لا رجعة فيه.