في تصريح لوزير الاتصالات، عبد السلام هيكل، عن الرغبة في «إنشاء مراكز بيانات متعددة عبر القطاع الخاص والمستثمرين»، مع ترخيص المشاريع وحمايتها بقانون واضح، يبدو الطموح منطقياً بعد تدهور البنية التحتية وعجز الدولة عن تمويل إعادة الإعمار التقني. لكنه يفتح سؤال السيادة الرقمية.
فرح شرف
والمفارقة الكبرى في تصريح الوزير تكمن في تناوله «السيادة» كهدف معلن، بينما الآلية المقترحة– فتح الباب للاستثمار الأجنبي– تُفضي إلى نقيض ذلك تماماً. والمشكلة ليست في وجود مراكز بيانات أجنبية على الأراضي السورية فحسب؛ إنما في البنية القانونية التي تحكم هذه المراكز.
ومن أخطر تحديات السيادة على البيانات اعتماد البنية الرقمية على مزودي خدمات سحابية خاضعين للاختصاص الأمريكي؛ إذ يتيح قانون CLOUD Act للسلطات الأمريكية، بموجب إجراء قانوني، إلزام مزودي الخدمات الخاضعين للقانون بتسليم بيانات تقع في حيازتهم أو عهدتهم أو تحت سيطرتهم، حتى لو كانت مخزنة خارج الأراضي الأمريكية. لذلك، فإن وجود البيانات داخل حدود الدولة لا يشكل وحده ضمانة كافية لسيادتها عليها، ما لم تُراعَ أيضاً مسألة الجهة التي تدير البنية السحابية والولاية القضائية التي تخضع لها. وقد اعترف مدير مايكروسوفت في فرنسا في حزيران 2025 بأن الشركة لا تضمن سيادة بيانات عملائها في حال صدور أمر قضائي أمريكي. وهكذا تصبح «الملكية الوطنية» وهماً متى كان المشغّل أجنبياً.
ودولياً، تُتهم مراكز البيانات الغربية في إفريقيا باستنزاف الموارد وإعادة إنتاج «الاستعمار الرقمي». فيما تواجه نيجيريا اختباراً عملياً لسيادتها الرقمية؛ فقد فرض البنك المركزي على المؤسسات المالية نقل بيانات المعاملات من الخوادم السحابية الخارجية إلى مراكز بيانات محلية بحلول كانون الثاني 2027، لكن يبقى التحدي الأكبر في اعتماد البنى التحتية على شركات كبرى مثل غوغل ومايكروسوفت.
أما في سورية، فحتى اللحظة لا تتوفر معلومات علنية عن وجود تشريع محدد لحوكمة البيانات عبر الحدود، أو للتخزين المحلي الإلزامي. فقانون الاستثمار الجديد، الذي يسمح بملكية أجنبية 100% في قطاعات حيوية تشمل التكنولوجيا، لا يتضمن ضمانات محددة لسيادة البيانات. وبالتالي تبقى «السيادة الرقمية» شعاراً للمؤتمرات.
والأسوأ أن الاستثمار الأجنبي في مراكز البيانات يُضعف القدرة التنظيمية للدولة، التي تروج لها الوزارة. فكلما زاد اعتماد القطاعين العام والخاص على بنية سحابية يملكها مشغل أجنبي، أصبحت الدولة أكثر عرضة لضغوط الابتزاز الرقمي.
في المحصلة، الوزير محق في أن سورية تحتاج إلى بنية رقمية حديثة، وأن الدولة لا تستطيع تمويل كل شيء بمفردها. لكن الخيارات ليست ثنائية؛ إما انغلاق تام أو اعتماد كامل على الخارج. فالتجارب الدولية تقدم دروساً في الحوكمة الذكية، عبر فرض شروط ملكية محلية، وإلزام المشغلين بتخزين البيانات محلياً، وإنشاء «طبقات سيادية» منفصلة للبيانات الحساسة، بالتوازي مع بناء قدرات محلية. لكن كل ذلك يتطلب وجود إرادة سياسية.
والسؤال: هل القانون القادم سيحمي السيادة فعلاً، أم المستثمر فقط؟ الإجابة– لا التصريحات– ستحدد إن كانت سورية تبني سيادة رقمية حقيقية، أم تبيعها لأعلى عرض استثماري.