في مشهد يتكرر كل عام، يقف مزارعو التبغ في سورية على أرضهم، وهم يحملون محصولاً أنهكته التكاليف المرتفعة وأثقلته الديون، بينما تنتظر أسرهم مستحقات الموسم السابق 2025 التي لم تصل بعد. فبينما بدأ حصاد موسم 2026 وانتهى، ما زالت المؤسسة العامة للتبغ صامتة، لم تُعلن عن بدء الاستلام ولا عن أسعار الشراء، تاركةً آلاف المزارعين في فراغ قاتل يفتح الباب على مصراعيه لحيتان التجارة مستغلين الحاجة الماسة للمزارع إلى لقمة العيش.
منذ تشرين الأول 2025، ينتظر مزارعون في اللاذقية وحمص مستحقاتهم دون أفق واضح، ورغم إعلان المؤسسة بدء صرف مستحقات 2025 بداية تموز الفائت إلا أنها وعود من سراب. فيقول أحد المزارعين إنه لم يتسلم أي دفعة حتى الآن مما اضطره إلى الاستدانة لتمويل زراعة جديدة، فتكاليف الإنتاج «كاوية» والأجور اليومية للعمال بلغت 750 ل.س جديدة، في حين أن محصولاً كاملاً قد تضرر في اللاذقية جرّاء الأمطار الأخيرة التي ألحقت أضراراً بجودة الأوراق وقيمتها.
هذا هو واقع مزارع يزرع بالدين، ويحصد بالخسارة، وينتظر مستحقاته بالوعود!
لم تصدر المؤسسة العامة للتبغ أي إعلان عن بدء استلام محصول 2026 أو عن الأسعار المزمع اعتمادها، هذا الغياب الرسمي منح التجار الضوء الأخضر للتحرك بين المزارعين، وشراء المحصول بأسعار متدنية، مما يكبّد الفلاحين خسائر متراكمة في أكثر من موسم.
إنها دورة استغلال تبدأ بحاجة المزارع للسيولة وتنتهي بخسارة تعبه!
تتراجع زراعة التبغ عاماً بعد عام، لتضرب أحد ركائز الاقتصاد الوطني. الإنتاج الذي كان يتجاوز 12 ألف طن حتى 2020 انخفض إلى نحو 3209 طن عام 2025، كما تقلصت المساحات المزروعة إلى 3666 هكتاراً بنسبة تنفيذ 42% فقط من الخطة الزراعية للعام نفسه.
إن استمرار هذا التدهور يعني إعدام أحد المحاصيل الاستراتيجية، ودفع أكثر من 60 ألف أسرة مزارعة نحو الهاوية.
ما يحدث ليس مجرد تأخر إداري أو سوء تنظيم موسمي، بل سياسة ممنهجة تُحمّل المزارع وحده تبعات الأزمات، فإنقاذ محصول التبغ يتطلب قراراً شجاعاً بتسعير عادل مرتبط بالتكلفة مع هامش ربح مجزٍ، وإعلان استلام فوريّ، وصرف المستحقات المتراكمة لا مزيداً من المماطلة، بالإضافة إلى وقف نزيف الفصل الجماعي لعمال المؤسسة.
آن الأوان لتتحمل الدولة مسؤوليتها وتقف مع الفلاح لا ضده، فإرادة التغيير لا تُبنى بالترقيع بل بسياسات وخطط مدروسة ومستدامة تحفظ لقمة عيشه وكرامته.