تتزايد مؤشرات القلق من ظاهرة الانتحار ومحاولاته في سورية خلال عامي 2025 و2026، في ظل تدهور اقتصادي ومعيشي يضغط بصورة متزايدة على الأفراد والأسر. وبينما لا يمكن اختزال الانتحار بسبب واحد، فإن العامل الاقتصادي والقدرة على تأمين متطلبات الحياة يبدوان من أبرز العوامل المتكررة في الحالات- بالعشرات- التي جرى توثيقها محلياً عبر وسائل الإعلام، مع غياب التوثيق الرسمي والتتبع المعلن.
فعلى سبيل المثال في آذار 2026، شهدت محافظة درعا محاولة انتحار لرجل بعد إزالة البسطة التي كان يعتمد عليها كمصدر للرزق، في حادثة عكست بصورة مباشرة العلاقة بين فقدان مصدر الدخل والضغط النفسي. وفي نيسان 2025، أقدم رجل في الرقة على إيذاء نفسه بإضرام النار في جسده احتجاجاً على تدهور أوضاعه المعيشية. كما وثقت وسائل إعلام محلية حالات انتحار لشبان ارتبطت، وفق إفادات محيطهم، بصعوبات اقتصادية وانعدام فرص العمل والعجز عن تأمين احتياجات الأسرة.
ولا تعني هذه الحالات أن الفقر أو تراجع الدخل يؤديان تلقائياً إلى الانتحار؛ فهناك عوامل أخرى حاضرة، بينها الاضطرابات النفسية، والخلافات الأسرية، والعنف، والفقدان، والعزلة الاجتماعية. لكن عندما يصبح تأمين الغذاء والسكن والعلاج والعمل عبئاً يومياً، فإن الضغوط الاقتصادية تتحول من مشكلة معيشية إلى عامل قد يمس الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي.
وهنا يبرز السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية عن تفاقم الظاهرة عندما يكون الانهيار المعيشي أحد أبرز محركاتها؟ وهل تكفي معالجة الحالات بعد وقوعها، أم إن مواجهة الانتحار تبدأ أساساً بتوفير العمل والدخل والحماية الاجتماعية، إلى جانب خدمات الصحة النفسية؟
فعندما يصبح تدهور الدخل وفقدان فرص العمل والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية عوامل متكررة خلف هذه الحالات، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بمسؤولية الأفراد وحدهم، بل بمسؤولية السياسات العامة التي أنتجت أو عجزت عن الحد من هذا الواقع. فمواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على معالجة نتائجها بعد وقوعها، وإنما تتطلب سياسات اقتصادية ومعيشية توفر فرص العمل، وتحمي القدرة الشرائية، وتضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية والرعاية النفسية. ومن هنا، تتحمل الحكومة والجهات المسؤولة عن إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية مسؤولية أساسية في الحد من الضغوط التي تدفع بعض السوريين إلى حافة اليأس، وفي تحويل مواجهة الانتحار من قضية فردية إلى أولوية وطنية.