Skip to main content

قبل أن نضرب الطالب.. ماذا قدمنا له؟

 |  قاسيون  |  محليات

في مجتمع صار العنف فيه حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، من خلاف بسيط ينتهي بمشاجرة، إلى كلمة تتحول إلى تهديد، يبدو غريباً أن يخرج من يطالب بشرعنة الضرب في المدارس بوصفه وسيلة للتأديب.
هذه الطروحات، وإن لم تتحول إلى سياسة تتبناها وزارة التربية، تستحق نقاشاً جدياً؛ ليس لأنها تتعلق بكيفية التعامل مع الطالب فقط، بل لأنها تأتي في مجتمع يحتاج إلى تقليص مساحة العنف، لا إلى منحه شرعية جديدة.

قبل أن نسأل: كيف نؤدب الطالب؟ ربما يجدر بنا أن نسأل: ماذا قدمنا له؟
هل وفرنا له مدرسة لائقة، وبيئة آمنة، ومستلزمات التعليم؟ هل وفرنا لمعلميه الظروف التي تمكنهم من أداء دورهم؟ وهل يعيش الطفل في بيت مستقر وقادر على تأمين احتياجاته الأساسية، أم يصل إلى المدرسة محملاً بالفقر والقلق والعنف ومشكلات لا ذنب له فيها؟
من السهل أن نضع المشكلة كلها في سلوك الطالب، ثم نبحث عن العقوبة المناسبة. الأصعب أن ننظر إلى ما وراء السلوك، وأن نسأل عن مسؤولية المجتمع والدولة في توفير الشروط التي تجعل الطفل قادراً على التعلم والاستقرار.
لا يعني هذا تبرير الفوضى أو إسقاط حق المدرسة في الانضباط والمحاسبة. لكن ثمة فرق كبير بين الحزم وبين العنف، وبين وضع حدود واضحة للسلوك وبين منح صاحب السلطة حق إيذاء من هو أضعف منه.
المشكلة في الدعوة إلى الضرب ليست في الضرب وحده، بل في الرسالة التي تحملها: أن القوة تصبح مقبولة عندما يمارسها صاحب السلطة على من يقع تحت سلطته. وهذه رسالة شديدة الخطورة في مجتمع يعاني أصلاً من انتشار العنف وتحول الخلافات الصغيرة فيه إلى نزاعات أكبر.
المدرسة يفترض أن تكون إحدى المساحات التي نكسر فيها هذه الدائرة، لا أن نعيد إنتاجها.
ولهذا فإن موقف وزارة التربية الرافض لشرعنة الضرب ليس تفصيلاً هامشياً في هذا النقاش، بل هو الحد الأدنى المطلوب من مؤسسة تربوية يفترض أن تحمي الطفل وتعلّمه الانضباط من دون أن تربطه بالخوف والإيذاء.
أما الذين يقترحون العصا حلاً، فربما يجدر بهم أن يطرحوا سؤالاً آخر قبلها: ماذا فعلنا لتأمين احتياجات هذا الطالب وتحسين ظروفه ومستوى معيشته وبيئته التعليمية؟
فالدولة التي تريد تقليص العنف لا ينبغي أن تبحث عن شرعنته داخل المدرسة، بل عن الأسباب التي جعلته مستشرياً خارجها.