منذ بداية العام وحتى 17 أيلول 2026، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية السورية من نحو 118 ليرة سورية جديدة إلى نحو 136 ليرة، أي بزيادة تقارب 15%. وقد يبدو هذا الرقم، منفرداً، غير كبير، لكنه يصبح أكثر قسوة عندما يتحول إلى أسعار سلع وخدمات يدفعها المواطن يومياً.
المشكلة أن ارتفاع الدولار لا ينتقل إلى الأسعار بنسبة 15% فقط. فالتاجر أو المنتج لا يسعّر دائماً على أساس سعر الدولار الموجود أمامه اليوم، بل غالباً ما يحسب تكلفة إعادة شراء البضاعة غداً، ولذلك يلجأ إلى دولار تحوطي أعلى من سعر السوق الموازية. وهكذا يمكن أن ترتفع الأسعار بسرعة أكبر من ارتفاع الدولار، فيما لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما يتحسن سعر الصرف.
لكن الدولار ليس وحده من يضغط على معيشة السوريين. فهناك المحروقات والطاقة والنقل وتكاليف الإنتاج، وهي عوامل قد تكون أشد تأثيراً من حركة الدولار نفسها.
ثم جاءت صدمة المحروقات. ففي أيلول رفعت الحكومة سعر المازوت 40%، في وقت كانت فيه أسعار المازوت قد ارتفعت بأكثر من الضعف منذ شباط، والبنزين بنحو 86%. وهذه الزيادة لا تتوقف عند محطة الوقود؛ فهي تنتقل إلى أجور النقل وكلفة الزراعة والصناعة ونقل الغذاء وتوزيعه، ثم تصل في النهاية إلى المستهلك.
هنا يجد المواطن نفسه في مواجهة معادلة قاسية؛ الدولار يتحرك، والمحروقات تتحرك، والطاقة والنقل ترتفع، والتاجر يحسب سعر الاستبدال، والأسعار تُبنى أحياناً على توقعات الغد، بينما الدخل ثابت، أو لا يتحرك بالسرعة نفسها.
والأكثر إشكالية أن المواطن تُرك رهينة لهذه المتغيرات تحت عناوين السوق الحر والتنافسية وتحرير الأسعار. لكن السوق الحر لا يعني أن تترك الأسرة وحدها أمام ارتفاع الأسعار؛ فالمنافسة الحقيقية تحتاج إلى منع الاحتكار، والشفافية، والرقابة، وحماية المستهلك، وسياسات تخفف أثر الصدمات على أصحاب الدخول المحدودة.
فالقضية في النهاية ليست أن الدولار ارتفع 15% فقط، وإنما أن كل طريق يؤدي إلى جيب المواطن أصبح أكثر كلفة. فحين ترتفع العملة والمحروقات والطاقة والنقل في الوقت نفسه، يصبح السؤال الأهم ليس: كم بلغ سعر الدولار؟ بل: من يدفع ثمن هذه الارتفاعات، ومن يتحمل مسؤولية حماية قدرة المواطن على العيش؟