Skip to main content

الحكومة ترفع... والمواطن يدفع

 |  قاسيون  |  محليات

لم يعد ما يجري في سورية مجرد أزمة معيشية عابرة، ولا يمكن الاستمرار في التعامل معه وكأنه رقم جديد في جدول الأسعار. المواطن يُسحق اقتصادياً، يوماً بعد يوم، تحت وطأة سياسات حكومية تجعل كلفة الحياة ترتفع أسرع بكثير من قدرة الناس على تأمينها. وهذه ليست مسؤولية المواطن، ولا ذنب الفقير، ولا نتيجة طبيعية يجب أن يدفع الناس ثمنها بلا نهاية. إنها، في جانب أساسي منها، نتيجة مباشرة لخيارات وسياسات اقتصادية تتحمل الحكومة مسؤولية نتائجها.

رفع أسعار المحروقات كشف حجم المشكلة بوضوح. فما إن صدر القرار حتى ارتفعت تعرفة المواصلات بنحو 30%، ليجد العامل والموظف والطالب أنفسهم أمام فاتورة جديدة تقتطع من دخلهم المنهك. وبعد النقل يأتي الغذاء والخدمات والإنتاج، لأن الوقود يدخل في كل شيء تقريباً. وهكذا تتحول الزيادة من قرار حكومي واحد إلى سلسلة من الزيادات يدفع ثمنها المواطن في كل تفاصيل حياته.
وقبل المحروقات كانت الكهرباء مثالاً صارخاً آخر. ارتفعت التعرفة بصورة أثقلت الأسر، وطالب المواطنون بإعادة النظر في الشرائح وكميات الاستهلاك، وبمراعاة قدرتهم الشرائية، لكن الاعتراضات لم تنتج أي تغيير يخفف حجم المعاناة. وكأن المواطن مطلوب منه أن يقبل القرار، ثم يبحث بنفسه عن طريقة لدفع ثمنه.
وهنا يصل الغضب إلى جوهره: لماذا تكون الحلول الاقتصادية الحكومية دائماً على حساب أصحاب الدخل المحدود؟
كيف يمكن لحكومة أن ترفع كلفة الكهرباء والمحروقات والنقل، بينما دخول غالبية الناس لا تمنحهم أصلاً حياة مستقرة؟ كيف يمكن أن يُطلب من العامل أن يتحمل المزيد، وهو الذي ينفق جزءاً متزايداً من راتبه للوصول إلى عمله فقط؟ وكيف يُطلب من الأسرة أن تتكيف مع ارتفاع الغذاء والخدمات، بينما تتسع أمامها يوماً بعد يوم هوة لا يمكن ردمها بين الدخل وكلفة المعيشة؟
والأكثر استفزازاً أن هذا الانهيار المعيشي يجري في مجتمع تتجاور فيه مشاهد الفقر والعوز مع مظاهر ثراء وبذخ فاحش. فالمواطن الفقير يتحمل القسم الأكبر من أعباء الأزمة، بينما تبدو قدرة الطبقات الميسورة على الإنفاق وكأنها تنتمي إلى عالم آخر تماماً. الفجوة أصبحت بهذا الاتساع!
هنا يصبح الحديث عن عدالة توزيع الثروة والأعباء ضرورة، لا شعاراً. فإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية أصحاب الدخل المحدود من آثار سياساتها، فعليها أن تعيد النظر في هذه السياسات، لا أن تطلب من الناس مزيداً من الصبر.
لقد استُهلك الصبر إلى أقصى حدوده. المواطن لا يريد تبريرات جديدة، ولا بيانات تشرح له لماذا ارتفعت الأسعار. هو يعرف أن هناك أزمات وتكاليف وصعوبات. ما يريده أن يعرف لماذا يدفع وحده ثمنها.
المسؤولية الحكومية هنا ليست تفصيلاً يمكن الهروب منه. حين تضع الحكومة سياسة اقتصادية ترفع كلفة الحياة، فهي مسؤولة عن نتائجها، ومسؤولة أيضاً عن إيجاد شبكة حماية حقيقية لمن لا يستطيع تحملها.
أما أن ترتفع الأسعار، وتزداد الفواتير، وترتفع أجور المواصلات، وتتراجع القدرة الشرائية، ثم يُطلب من المواطن أن يصمت ويتحمل، فذلك ليس سياسة اجتماعية. إنه دفع بالناس إلى حافة لا يستطيعون الوقوف عليها طويلاً.
الفقر ليس قدراً محتوماً. لكن عندما تصبح السياسات الاقتصادية عاجزة عن حماية الأغلبية المفقرة، فإن استمرار الفقر واتساع الفجوة يصبحان قضية مسؤولية عامة، لا مأساة فردية يتحملها المواطن وحده.