«معيل صغير...» لماذا يستمر التسرب المدرسي في سورية؟
في كل عام دراسي جديد، تعلو الأصوات الرسمية مُبشّرةً بعودة الطلاب إلى مقاعدهم، مُعلنةً أرقاماً تلمع في نشرات الأخبار، لكن في شوارع مختلف المحافظات، وعلى إشارات المرور، وفي محيط أكوام القمامة، ثمة حقيقة أخرى أكثر قسوة: أطفال يحملون أكياس النفايات بدل الحقائب المدرسية، وبائعون صغار يطاردون لقمة العيش في عمرٍ كان يجب أن يُطارد فيه الأحلام.
ووفق بيان وزارة التربية بتاريخ 9/9/2026، هناك ارتفاع في عدد الطلاب إلى 5,291,000 طالب وطالبة في 2026، بزيادة 28,2% عن العام الماضي، لكن هذا الرقم، يقابله أيضاً أكثر من مليوني طالب خارج المدرسة. حيث تؤكد «اليونيسف» أن 2,45 مليون طفل لا يزالون خارج التعليم، مع أكثر من مليون آخرين معرضين للتسرب.
الرقم ليس مفاجئاً، فهو نتاج حتمي لأكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، وبطالة تتجاوز 60%، و12,9 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي (وفق تقارير أممية).
وعند سؤال طفل عن سبب تركه المدرسة، يجيب بجملة تختصر المأساة «بدنا نعيش»، طفلة تنبش في القمامة لإيجاد ما يمكن بيعه لتعيل أسرتها، بينما طفل آخر يرفع أكياس الإسمنت في ورشة بناء، وطفلة تبيع المناديل تحت حر الشمس أو برد الشتاء.
هؤلاء ليسوا حالات فردية، إنهم ظاهرة تحوّلت إلى «استراتيجية بقاء» لدى أسر لم يعد لديها خيار آخر.
فالحديث عن «زيادة أعداد الطلاب» يخفي حقيقة أن هذه الزيادة ربما تعكس عودة نازحين إلى مدارس مكتظة، لا استيعاباً للفقراء. فبينما تُعلن الوزارة عن افتتاح 212 مدرسة جديدة، لا تزال أكثر من 7200 مدرسة مدمرة أو متضررة.
والأخطر أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تُقرّ بانتشار عمالة الأطفال، لكن إجراءاتها تظل «توعوية»، قبل أن تعود إلى إصدار 22 قرار غرامة فقط بحق جهات مخالفة في الربع الأول من 2026 شملت 27 طفلاً، لتشغيل من هم دون السن القانونية وبأعمال محظورة، غرامات رمزية أمام جحيم الفقر، ورقابة مفتّتة أمام معامل وورشات تستغل الصغار بأجور زهيدة.
الحلقة الأضعف تدفع الثمن الأكبر، فالطفولة تُباع في أسواق الفقر، وزيادة الأرقام لا تُخفي حقيقة أن الضريبة الحقيقية هي التضحية بالمستقبل. وحتى تتحسن الظروف المعيشية، سيبقى التسرب المدرسي جرس إنذار لا يتوقف، وشاهداً على دولة تُدير الأزمة ولا تحلّها.
المطلوب ليس «ترميم» التعليم، بل تغيير جذري في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وإلا فسيستمر مسلسل دفن الطفولة تحت ركام الفقر.