في جوبر، لا ينتظر الأهالي مخططاً على ورق بقدر ما ينتظرون أن تنتهي سنوات طويلة من الاقتلاع والنزوح، وأن يفتح لهم الطريق أخيراً للعودة إلى حيّهم واستعادة حياتهم. وبينما تتعدد التصورات والمخططات والاجتماعات، يبقى الواقع أقسى من كل البيانات. فآلاف العائلات ما زالت خارج بيوتها، تدفع بدلات إيجار تستنزف مواردها عاماً بعد عام، فيما أملاكها وأراضيها تنتظر حلّاً تنظيمياً يتيح إعادة إعمارها وإعادة أصحابها إليها.
وهنا تحديداً لم يعد مقبولاً التعامل مع ملف جوبر باعتباره ملفاً إدارياً عادياً يمكن أن يبقى مفتوحاً إلى أجل غير مسمى. فكل تأخير له ثمن، وهذا الثمن لا يدفعه المستثمر ولا الإدارة، وإنما يدفعه المواطن الذي اضطر إلى مغادرة منزله، ثم اضطر إلى تحمل كلفة نزوحه سنوات طويلة، وما زال عاجزاً عن العودة لأن الإجراءات والحلول لم تصل إلى نهايتها.
إن حق الأهالي في أملاكهم وفي العودة إلى حيهم يجب أن يكون نقطة الانطلاق، لا تفصيلاً يأتي بعد الاتفاق على شكل المشروع الاستثماري. إعادة الإعمار حق وضرورة، والاستثمار يمكن أن يكون وسيلة مهمة لتأمين التمويل والتنفيذ، لكن لا يجوز أن ينقلب ترتيب الأولويات، بحيث يصبح السؤال الأول: ماذا يريد المستثمر؟ بينما يبقى السؤال الأهم مؤجلاً: ماذا سيحصل أصحاب الأرض والعقار، ومتى يستطيعون العودة؟
محافظة دمشق تتحمل هنا مسؤولية مباشرة في حدود اختصاصاتها القانونية والإدارية. فهي ليست جهة مراقبة من بعيد، وإنما جهة محلية معنية بالتنظيم والتخطيط ومتابعة شؤون المنطقة والتنسيق بين الجهات المختلفة. وإذا كان هناك مخطط يحتاج إلى تعديل، فعليها أن تعدّله. وإذا كانت هناك عوائق قانونية أو فنية، فعليها أن تحددها وتعالجها. وإذا كان الحل يحتاج إلى تمويل واستثمار، فعليها أن تضع الإطار الذي يضمن تحقيق المصلحة العامة وصيانة حقوق المالكين. أما أن يبقى الملف يتنقل بين تصوّرات واجتماعات ومقترحات من دون حسم
واضح وجدول زمني معلن، فذلك يعني عملياً استمرار الأزمة.
والأكثر حساسية أن أي اتفاق استثماري لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المخطط التنظيمي أو إلى وسيلة لإعادة توزيع الحقوق بصورة غير شفافة. فمن حق الأهالي أن يعرفوا الأساس القانوني والفني لأي نسبة تعرض عليهم، وكيف احتسبت حقوقهم، وما الذي سيذهب إلى الطرق والمرافق العامة، وما هي كلفة التنفيذ، وما حصة المستثمر، وما الذي سيبقى للمالكين. أما طرح نسب مجردة من دون كشف الحسابات والأسس التي أنتجتها، فلا يبني ثقة ولا يوفر عدالة.
جوبر اليوم أمام اختبار حقيقي لمحافظة دمشق: هل تستطيع الإدارة أن تنتقل من إدارة ملف متعثر إلى قيادة عملية تعيد الناس إلى بيوتهم؟ وهل تستطيع أن تجمع بين ضرورة إعادة الإعمار وحق المالكين، بدلاً من وضعهما في مواجهة مفتعلة؟ الإجابة لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرار واضح، ومخطط واضح، وحقوق واضحة، وجدول زمني واضح.
والقضية لا تتوقف عند جوبر. فهناك ملفات مشابهة في دمشق وفي محافظات أخرى، لأحياء ومناطق أنهكتها الحرب والنزوح والتهجير، وينتظر أصحابها المصير ذاته؛ عودة آمنة ومستقرة، وإعادة إعمار تحفظ الملكية وتصون الكرامة. ومن هنا فإن معالجة جوبر بسرعة وعدالة ليست حلاً لحي واحد فحسب، إنها رسالة إلى كل السوريين بأن مرحلة النزوح المفتوح لن تتحول إلى قدر دائم، وأن الإدارة مطالبة بأن تجعل عودة الناس إلى بيوتهم أولوية فعلية.
لقد انتظر أهالي جوبر بما يكفي. ومن غير العادل أن يُطلب منهم الانتظار أكثر لأن الإدارة لم تحسم خياراتها. المطلوب اليوم ليس معجزة، بل ممارسة المسؤولية؛ أن تحسم المحافظة الملف، وتحمي حقوق الأهالي، وتسرع إعادة الإعمار، وتفتح الطريق أمام عودة طال انتظارها. فجوبر ليست أرضاً للاستثمار فقط، إنها بيت أهلها، وحقهم في العودة إليها لا ينبغي أن يبقى رهينة ملف إداري لا ينتهي.