لم تعد زيادات أسعار المشتقات النفطية في سورية مجرد تعديلات دورية، بل تحولت إلى صدمة تضغط على الإنتاج والأسواق والخدمات ومعيشة المواطنين. فمنذ بداية عام 2026 ارتفع سعر بنزين 95 من 109,2 إلى 195 ليرة سورية، أي بنحو 78,6%، وبنزين 90 من 102 إلى 185 ليرة، بزيادة 81,4%، بينما قفز المازوت من 90 إلى 175 ليرة، مسجلاً زيادة تقارب 94,4%. أما الغاز المنزلي فارتفع من 1260 إلى 1600 ليرة، والغاز الصناعي من 2016 إلى 2560 ليرة، بزيادة تقارب 27% لكل منهما.
لكن الصدمة الأكبر تكمن في الفارق بين نشرة 4 أيلول والنشرة الأخيرة. ففي الرابع من الشهر كان سعر بنزين 95 يبلغ 152 ليرة، وبنزين 90 نحو 147 ليرة، والمازوت 125 ليرة، بينما بلغ الغاز المنزلي 1470 ليرة والصناعي 2350 ليرة. وفي النشرة الأخيرة ارتفعت الأسعار إلى 195 و185 و175 ليرة على التوالي، أي إن بنزين 95 قفز 28,3%، وبنزين 90 بنسبة 25,9%، والمازوت بنسبة هائلة بلغت 40% خلال فترة قصيرة، فيما ارتفع الغاز المنزلي 8,8% والصناعي 8,9%.
هذه الأرقام تعني عملياً أن المازوت، وهو عصب النقل والزراعة والعديد من الأنشطة الإنتاجية والخدمية، أصبح أغلى بنحو الضعف مقارنة ببداية العام. والنتيجة لن تبقى محصورة في محطات الوقود، فكل لتر مازوت إضافي يعني كلفة أعلى للشاحنات والآليات الزراعية والمولدات والمضخات والمصانع ووسائل النقل، ثم تنتقل هذه الكلفة من المنتج إلى تاجر الجملة، ومنه إلى بائع التجزئة، وصولاً إلى المستهلك.
والخطر أن رفع المحروقات سيتحول إلى موجة غلاء شاملة، لأن ارتفاع كلفة النقل وحده قادر على رفع أسعار السلع حتى عندما لا تتغير كلفة إنتاجها. وستكون المواد الغذائية الأكثر حساسية، من الخضار والفواكه إلى الألبان واللحوم والخبز، بسبب اعتماد إنتاجها ونقلها وتخزينها وتبريدها على الطاقة والوقود. كما ستتعرض الصناعة لضربة مزدوجة، من خلال ارتفاع كلفة التشغيل والنقل في وقت تعاني فيه أصلاً من ضعف الطلب وارتفاع تكاليف المواد والخدمات.
أما المواطن، فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فارتفاع الوقود يرفع أجور النقل وأسعار الغذاء والخدمات، فتتآكل القدرة الشرائية ويتراجع مستوى المعيشة. وقد يضطر رب الأسرة إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم والاحتياجات الأساسية لمواجهة الزيادة في النفقات اليومية.
الأخطر اقتصادياً أن هذه الزيادات تأتي فوق تضخم قائم أصلاً، لتضيف موجة جديدة من ارتفاع التكاليف إلى اقتصاد يعاني أساساً من ضعف القدرة الشرائية. فارتفاع أسعار المحروقات يرفع كلفة النقل والإنتاج والخدمات، لينتقل سريعاً إلى أسعار السلع والمواد الأساسية، فيما تبقى الأجور منخفضة وثابتة أو عاجزة عن اللحاق بهذا الارتفاع. والنتيجة ليست مجرد ارتفاع جديد في الأسعار، بل تآكل إضافي في الدخل الحقيقي للأسر، وانكماش في الاستهلاك، وضغط متزايد على المنتجين وأصحاب الأعمال، بما يهدد بتراجع الإنتاج والاستثمار وفرص العمل. وفي هذه الحالة، تصبح المحروقات عاملاً إضافياً في تعميق التضخم وإضعاف الاقتصاد، بدلاً من أن تكون مجرد بند من بنود تكاليفه.
صحيح أن تسعير المحروقات يتأثر بالأسواق العالمية، وقد أقرت السلطات في تموز أن مراجعة الأسعار تستند إلى المعطيات الاقتصادية والفنية والمتغيرات العالمية، كما أن لجنة التسعير أعلنت سابقاً اعتماد مراجعة دورية وفق تطورات أسواق النفط. لكن حجم الزيادة المحلية، ولا سيما ارتفاع المازوت 40% منذ نشرة 4 أيلول، يجعل من الضروري إظهار تفاصيل كلفة الاستيراد والتكرير والنقل وسعر الصرف وهوامش التوزيع، حتى يعرف المواطن مقدار ما تفرضه الظروف العالمية فعلاً ومقدار ما ينتج عن سياسة التسعير المحلية.
القضية لم تعد سعر ليتر البنزين أو المازوت بحد ذاته، بل تكلفة الحياة بأكملها. فالزيادة الأخيرة تعني عملياً إعادة تسعير للنقل والإنتاج والغذاء والخدمات، فيما يتحمل المواطن النتيجة النهائية من دخله المتآكل. وإذا لم تترافق هذه الزيادات مع إجراءات لحماية الإنتاج والدخل والقدرة الشرائية، فإن رفع أسعار المحروقات سيتحول من أداة لضمان توفّر الوقود واستقرار السوق إلى عامل إضافي لتعميق الركود والفقر والتضخم.