لم تعد تجارة المخدرات في سورية مجرد عمليات تهريب معزولة أو نشاطاً محدوداً لمروجين محليين، بل تكشف المعطيات المتاحة عن منظومة ترتبط بالجريمة المنظمة، تتداخل فيها شبكات التصنيع والتخزين والتمويل والنقل والترويج، وتتصل حلقاتها في الداخل بمسارات وشبكات خارج الحدود. ومع استمرار ضبط كميات كبيرة من المخدرات، تبرز مخاوف من أن جزءاً من هذه المنظومة تمكن من الإفلات من الرقابة، وأن بعض الكميات وجدت طريقها إلى السوق المحلية، بما يحمله ذلك من مخاطر أمنية واجتماعية وصحية متزايدة.
وتشير الحالات الرسمية المنشورة التي أمكن توثيقها إلى ضبط ما لا يقل عن نحو 1,04 مليون حبة كبتاغون خلال عام 2025 في قضايا مرتبطة بالتجارة والترويج المحلي، ونحو 1,02 مليون حبة خلال عام 2026 حتى مطلع أيلول، إضافة إلى أكثر من 1,1 طن من الحشيش خلال 2026 في القضايا المحلية الموثقة، فضلاً عن الماريجوانا والكريستال والكوكايين وحبوب مخدرة أخرى. وفي الثالث من أيلول 2026، ضبطت السلطات في حلب 82 كيلوغراماً من الكبتاغون، تعادل نحو 482 ألف حبة، وأوقفت شخصين لتورطهما في التجارة والترويج.
وتزداد خطورة المشهد مع ما تكشفه عمليات الملاحقة عن وجود قدرات تصنيع محلية وشبكات توزيع منظمة. فقد أعلنت وزارة الداخلية في حزيران 2026 إغلاق 17 معملاً لإنتاج الكبتاغون منذ 8 كانون الأول 2024، إلى جانب تفكيك عشرات الشبكات وضبط مخازن وكميات ضخمة من المخدرات. كما أعلنت ضبط 697 مليون حبة كبتاغون و15 طناً من الحشيش خلال الفترة نفسها، وهي حصيلة تشمل عمليات التهريب الدولي والمصانع والمخازن والترويج المحلي، بما يؤكد أن الظاهرة مرتبطة بسلسلة إجرامية متعددة المستويات، وليس بمروجين منفردين فقط.
وفي الوقت نفسه، تظهر الضبطيات أن بعض الشبكات تعمل وفق مسارات عابرة للحدود، سواء بإخراج المخدرات المنتجة أو المخزنة داخل سورية نحو دول أخرى، أو بإدخال شحنات إلى الأراضي السورية قبل إعادة توزيعها أو تهريبها. وهذا الترابط بين الداخل والخارج يجعل مكافحة المخدرات جزءاً من مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما تتطلبه من تتبع للأموال والاتصالات والوسطاء ومسارات النقل، وليس الاكتفاء بمصادرة الشحنات وتوقيف المنفذين المباشرين.
ولا تكشف المضبوطات وحدها الحجم الحقيقي للسوق؛ فما يتم ضبطه هو بالضرورة جزء مما تتحرك به الشبكات، فيما تبقى كميات أخرى غير معروفة قد تكون وصلت إلى وجهاتها الخارجية أو تسربت إلى السوق المحلية. ولا توجد بيانات كافية تسمح بتحديد حجم هذه الكميات بدقة، لكن استمرار ضبط المخدرات المخصصة للترويج والتوزيع، إلى جانب ضبط مصانع ومخازن وشبكات تهريب، يجعل احتمال وجود سوق غير مرئية أمراً لا يمكن تجاهله.
وتبرز هنا المخاوف على وجه الخصوص بالنسبة إلى فئة الشباب، التي يمكن أن تكون شريحة مستهدفة من شبكات الترويج لتوسيع قاعدة المستهلكين وتحويل المخدرات من نشاط إجرامي محدود إلى سوق مستدامة. ولذلك فإن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى مقاربة متكاملة تضرب بنية الجريمة المنظمة في الداخل والخارج، وتجفف مصادر التمويل، وتراقب حركة المواد والمخازن ومسارات النقل، وتفرض المحاسبة والعقاب على جميع مستويات الشبكات، بالتوازي مع الوقاية والعلاج والتوعية. فالمعركة الحقيقية لا تتعلق بما تضبطه السلطات فقط، وإنما بمنع ما يفلت من الرقابة من التحول إلى خطر مستقر داخل المجتمع.