لم يكن قرار وزارة الطاقة إغلاق الثانويات المهنية النفطية في حمص وبانياس ودير الزور والرميلان، إضافة إلى ثانويتي الجيولوجيا والمناجم والتعدين، مجرد تعديل إداري عابر. القرار الذي حمل الرقم 1293 وصدر في 7 أيلول 2026 جاء في اليوم التالي لبدء العام الدراسي، ليجد مئات الطلاب أنفسهم أمام واقع لم يكن في حساباتهم؛ مدارس أُغلقت، ومسارات مهنية اختاروها بعناية أصبحت معلقة، ومستقبل دراسي يتوقف على مقاعد شاغرة في مدارس أخرى.
المفارقة أن هذا التحول لم يأتِ بعد مسار معلن وطويل من التدرج. ففي أيلول 2025 كانت وزارة الطاقة نفسها تفتح القبول في هذه الثانويات وتحدد اختصاصاتها وطاقة استيعابها، وفي حزيران 2026 كانت تتحدث عن التعليم المهني بوصفه ركيزة لدعم احتياجات قطاع الطاقة. وفي تموز، أي قبل أسابيع قليلة من الإغلاق، كانت الوزارة تبحث مع GIZ تطوير مناهج الثانويات والمعاهد النفطية وتأهيل الكوادر وإنشاء «أكاديمية الطاقة». ثم صدرت نتائج هذه الثانويات في آب، قبل أن يأتي قرار الإغلاق مع انطلاق العام الدراسي الجديد. هذا التسلسل لا يوحي بانتهاء الحاجة، بقدر ما يوحي بتغيير مفاجئ في السياسة التعليمية لم يُشرح للرأي العام ولا للطلاب بما يكفي.
والأشد إيلاماً أن «معالجة أوضاع الطلاب» لا تعني بالضرورة الحفاظ على أوضاعهم. فالنقل إلى ثانويات مهنية أخرى مرتبط بالمقاعد والاختصاصات المتاحة والرغبات، ما يفتح الباب أمام تأخر التحاقهم بالدراسة، وفقدان جزء من العام، وربما الانتقال من اختصاص نفطي متخصص إلى اختصاص آخر لا يطابق ما بدأ الطالب دراسته. فماذا يفعل طالب أمضى عاماً أو عامين في تعلم تكرير النفط والغاز، أو حفر الآبار، أو إنتاج النفط، أو تشغيل محطات الإنتاج، إذا لم يتوفر اختصاصه في المدرسة التي سيُنقل إليها؟ وهل يكفي القول إن مقعداً دراسياً سيؤمن له؟
المفارقة الأكبر أن الواقع النفطي نفسه لا يبرر القول بانعدام الحاجة إلى هذه الكوادر. فخطط تطوير الحقول وإعادة تأهيل المنشآت واتفاقيات الاستثمار الجديدة تتحدث عن الحاجة إلى مهندسين وفنيين وتأهيل كوادر وطنية. المشكلة، إن كانت الثانويات الحالية لم تعد تواكبها، قد تكون في المناهج والتجهيزات والتخصصات وطرق التدريب، لا في مبدأ وجود التعليم النفطي الثانوي نفسه.
كان يمكن تحديث هذه المدارس وربطها بالمعاهد والشركات وإعادة تصميم اختصاصاتها تدريجياً. أما إغلاقها في اليوم التالي لبدء الدراسة، ثم مطالبة الطلاب بالتكيف مع واقع جديد تحكمه سعة المدارس البديلة، فيبدو أقرب إلى تحميل الطلاب كلفة تغيير لم يُمنحوا فرصة الاستعداد له.
الإصلاح حق، والتطوير ضرورة، لكن لا ينبغي أن يكون الطالب هو الحلقة الأضعف في أي إعادة هيكلة.