من حماة إلى اللاذقية ودرعا، يتكرر المشهد ذاته؛ سائقو شاحنات يقطعون الطرقات احتجاجاً ويطلقون صرخة جوع على سرقة أرزاقهم تحت غطاء الاستثناءات وباسم «الوصل الخاص» و«تذاكر التحميل»، فيما تختفي الحمولات الحكومية خلف أبواب مغلقة لتعود أرباحها إلى قلة متنفذة، على مرأى من تعليمات نافذة تُتلى ولا تُطبق، ومؤسسات تراقب ولا تتحرك.
هذا ليس مجرد احتجاج عابر، بل انفجار قادته سنوات من القهر الممنهج. إنها معركة الكرامة بين سائقٍ ينتظر دوره كي لا يبيع شاحنته، وبين حيتان المال الذين حولوا تعليمات النقل إلى أداة نهب منظم!
التعليمات حبر على ورق
قطع العشرات من سائقي الشاحنات الطريق في ساحة العاصي بحماة، الأحد 23/8/2026 احتجاجاً على احتكار نقل البضائع من معامل الإسمنت والحديد والحنطة من قبل شركات خاصة، متجاوزة مكتب الدور الرسمي الذي يضم نحو 800 شاحنة متوقفة عن العمل.
المفارقة ليست في الاحتجاج، بل في أن التعليمات التي يستند إليها السائقون واضحة وصريحة، فالقرار رقم 924 لعام 1984 والتعميم الوزاري رقم 8103/38/غ ينصان على أن حمولات مؤسسات وشركات القطاع العام تدرج ضمن مكتب الدور، ولا يُستثنى من ذلك إلا الشاحنات المملوكة حصراً للمنشأة نفسها.
لكن ما يجري في معامل الدولة بحماة، بحسب تصريح المتحدث باسم السائقين في مكتب الدور ومكتب تنظيم نقل البضائع في المحافظة «محمد عبد الجبار حلبية» بتاريخ 24/8/2026، هو «مخالفة جسيمة لكل هذه الأنظمة، وسحق لحقوق مئات السائقين، حيث تُفرض شاحنات خاصة لتفريغ وتحميل الأسمنت من داخل المنشأة الحكومية، متجاوزة مكتب الدور بالقوة والنفوذ». إنه خرق للقانون جهاراً وبتواطؤ مريب!
آفة متكررة
لم تقتصر المعاناة على حماة، إذ شهد مرفأ اللاذقية اعتصاماً مشابهاً احتجاجاً على «الوصل الخاص» الذي يقدر بـ 3000 ل.س جديدة، بينما رسم التسجيل ضمن الدور العام لا يتجاوز 550 ل.س، هذا الإيصال يتيح لبعض المخلصين الجمركيين إدخال شاحناتهم وتحميلها مباشرة، متجاوزين نظام الدور المتسلسل، فيما يضطر سائقون آخرون إلى الانتظار أياماً قد تتجاوز الأسبوع للحصول على حمولة.
وفي درعا، تكرر المشهد عند معبر نصيب، مما يفضح أنها أزمة نظام اقتصادي ريعي، وليست مجرد إشكالات إدارية، أمام تكرار المشكلة في أكثر من محافظة.
وما يمكن تعميمه: أن القصة ليست وليدة اليوم، ولا مقتصرة على حماة، بل إن الأسطول البري بأكمله يتعرض للتجويع الممنهج لصالح لوبيات الاحتكار.
لقمة العيش خط أحمر
الشاحنات ليست مجرد آلة، بل هي الكرامة ومصدر الرزق الوحيد لآلاف العائلات، فعندما يضطر السائق لبيع شاحنته تحت وطأة الديون، وعندما تتراكم الالتزامات ويصبح عاجزاً عن تأمين قوت يومه، يصبح الاحتجاج السلمي لانتزاع الحقوق واجباً وحقاً مشروعاً.
إن صمت الجهات المعنية وتقاعسها عن تطبيق التعليمات، ليس مجرد إهمال، بل هو شراكة ضمنية في حماية مصالح أمراء الأسواق على حساب دماء السائقين وعرقهم.
المطلوب؟
أمام هذا المشهد، لا يكفي إصدار بيانات استنكارية أو وعود لا تلبث أن تتبخر. المطلوب تدخل فوري وحازم من وزارة النقل والجهات المعنية لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، وتطبيق القرارات الوزارية بحزم، وإبعاد الجهات التي تستغل نفوذها لفرض أشكال غير قانونية من التحميل، وإلغاء العمل بالوصل الخاص وتذاكر التحميل الاستثنائية أيضاً، مع إخضاع حمولات معامل الإسمنت والحديد وسائر المنشآت الحكومية كافة لمكتب تنظيم نقل البضائع، دون أي استثناء.
لكن الأعمق من ذلك، هو كشف شبكات التواطؤ التي تسمح لهذه الممارسات بالاستمرار، ومحاسبة المتورطين، وتفعيل الرقابة على عقود الاستثمار في المنشآت الحكومية. فالقضية ليست مجرد ثغرة قانونية، بل هي سرقة منظّمة لمصدر رزق آلاف العائلات، باسم «الاستثمار» و«التسهيلات».
ختاماً، مشهد الشاحنات المتوقفة في حماة، والاعتصامات في اللاذقية ودرعا، ليس مجرد احتجاجات عابرة، بل هو إنذار بانهيار قطاع النقل البري برمته، وفقدان الثقة بأبسط أشكال العدالة.
فالقوانين موجودة، والأدلة موثقة، والمطالب واضحة.
فلماذا يبقى السائقون يصرخون في الفراغ؟ ولماذا تظل الحمولات الحكومية رهينة قلة
متنفذة تجني أرباحاً طائلة على حساب قوت يوم الفقراء؟ إن استمرار هذا الوضع ليس
تقصيراً إدارياً، بل هو تواطؤ ممنهج، وتماهٍ مع الفساد، وتخلٍ عن المسؤولية الوطنية. فالخروج من هذا النفق المظلم بحل جذري، يرد الاعتبار للقانون، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويوقف نزيف أرزاق آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر دورها في مكتب لا يمنحها إلا الانتظار.