في حي اللوان بكفرسوسة، حيث يفترض أن يكون المكان نموذجاً للسكن الهادئ، تحولت الحياة إلى جحيم يومي بفعل عشرات الشاحنات الثقيلة التي تعبر الشوارع محملة بالرمال والحصى والإسمنت ومستلزمات البناء، في مشهد يعيد إنتاج معادلة سورية مألوفة؛ مشاريع النخبة على حساب معاناة المفقرين.
فبينما تتجه الشاحنات إلى مشروعي «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»- ذائعَي الصيت في أوساط المتنفذين والمقتدرين- تترك وراءها طريقاً محطماً، وغباراً خانقاً، وضجيجاً لا يحتمل!
على امتداد الطريق الرئيسي، تظهر حفر وتشوهات في طبقات الإسفلت «فيما لا تزال أجزاء من أعمال الحفر التي بدأت قبل أشهر من دون استكمال» وكأن المحافظة تتعمد ترك الجرح مفتوحاً ليزداد نزيفاً.
وحسب قول أحد سكان الحي «الأهالي يطالبون بأن تراعي أعمال الإعمار واقع الأحياء المجاورة وحق سكانها في طريق آمن وبيئة صحية «.
مطالب مشروعة، لكنها تظل حبراً على ورق في زمن يستباح فيه كل شيء «رسمياً» باسم «التنمية»
لم يقتصر الضرر على الطرقات، بل تعداه إلى الرئتين، فوفق مختص بالأمراض التنفسية، إن التعرض المستمر لهذا النوع من الغبار قد يؤدي إلى تهيج الأغشية المخاطية في الأنف والعينين والجهاز التنفسي، ويزيد شدة أعراض الحساسية والربو، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، فهل تنتظر الجهات المعنية أن يتحول الحي إلى مستشفى ميداني قبل أن تتحرك؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، أين محافظة دمشق من هذه الكارثة المعلنة؟ ولماذا يبقى هذا الملف في أدراج التجاهل والتسويف؟
جاء الرد، عبر مديرية الصيانة في المحافظة حسب صحيفة «الثورة» بتاريخ 22/8/2026، مقتصراً على الإشارة إلى وجود خطة لتزفيت وصيانة الطريق، مع التأكيد على عدم وجود طريق بديل متاح حالياً، وإحالة المتابعة إلى الشركات المستثمرة.
خطة بلا موعد، ووعود بلا أفعال، وتنصل من المسؤولية بإلقاء الكرة في ملعب المستثمر!
واجب المحافظة ليس «التفرج» على معاناة المواطنين، ولا «تجيير» المسؤولية إلى المتعهدين والمقاولين هرباً من استحقاقات مالية ومرورية تقع في صلب مسؤولياتها.
فالطريق، إن كان متضرراً بفعل الشاحنات، فهذا يعني غياب الرقابة الفعلية، وغياب التخطيط المروري البديل، وغياب أدنى درجات الاحترام لساكني الأحياء المكتظة.
كما تحميل المتعهد المسؤولية «إن حصل» ليس سوى ذرّ للرماد في العيون، ومحاولة للتهرب من واجب أساسي لإيجاد حل جذري يبدأ بتحويل مسار هذه الشاحنات إلى طرق خارجية أو أوقات محددة، مع معالجة حالة الطريق المتردية بشكل كامل لا ترقيعي.
حتى سائقو السرافيس لم يسلموا من هذه الكارثة، فيؤكد أحدهم أن المركبات تتعرض لأعطال متكررة نتيجة وعورة الطريق، حيث تُستهلك الإطارات بصورة أسرع، ويتعرض نظام التعليق لضغط متواصل، ما يرفع تكاليف الإصلاح ويستنزف دخل السائقين، والأدهى أن المسافة القصيرة تستغرق وقتاً أطول خلال ساعات الذروة، وسط مخاوف حقيقية من وقوع حوادث، خاصة مع اقتراب عودة طلاب المدارس ووجود مشاة يعبرون الطريق يومياً.
إن معالجة هذا الملف ليست «منة» تقدمها المحافظة، بل واجب قانوني وأخلاقي يقع على عاتقها.
فمحافظة دمشق تتولى من الناحية الإدارية إدارة وصيانة الطرق العامة الواقعة ضمن نطاقها، وإذا كانت العقود مع المستثمرين تنص على إعادة تأهيل الطرق أو اتخاذ تدابير للحد من الآثار البيئية، فلتطبق البنود بصرامة، ولا يُقبل تحت أي ذريعة أن تتحجج المحافظة بعدم وجود طريق بديل، فهناك حلول إسعافية يمكن تنفيذها فوراً إلى حين تنفيذ الإجراءات المستدامة؛ تنظيم أوقات مرور الشاحنات، وإلزامها بتغطية الحمولات، والرش الدوري للطرق بالمياه، وإجراء صيانة دورية للمسارات المستخدمة.
فكفى تهرباً من المسؤوليات! وكفى وعوداً لا تُنفذ!
إن صبر أهالي حي اللوان قد نفد، وحان الوقت لتتحمل محافظة دمشق مسؤولياتها كاملة، وتضع حداً لهذا العبث الذي يهدد صحة المواطنين وسلامتهم وحقهم في حياة كريمة. فإما أن تتحرك الآن، أو يبقى طريق اللوان شاهداً على عصر من الإهمال والتخلي الممنهج!