فقر الدم وسوء التغذية وصمة عار على جبين الدولة...!
في الخامس من أيلول، كشفت جمعية تنظيم الأسرة عن ارتفاع معدلات فقر الدم بين الحوامل والأطفال الرضع، نتيجة سوء التغذية الحاد الذي تعاني منه الأمهات، لكن الأرقام التي قدّمتها الجمعية ليست سوى غيض من فيض في محيط من الفقر المدقع الذي يعصف بــ 90% من الشعب السوري، وسط انهيار اقتصادي كامل جعل الغالبية العظمى عاجزة عن تأمين أبسط مقومات الحياة.
ففي الوقت الذي تكشف فيه بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2019 أن نسبة فقر الدم لدى الأطفال السوريين بين( 6-59 شهراً) بلغت 32,9%، وتقفز إلى 76,25% في المناطق الريفية، تؤكد أحدث تقارير برنامج الأغذية العالمي أن 12,9 مليون شخص– أي أكثر من نصف السكان– يعانون من انعدام الأمن الغذائي. بلغة الأرقام، هذا يعني أن ملايين الأمهات يحملن أجنّةً محكومة بالحرمان قبل أن ترى النور، وأن أطفالاً يولدون بوزن منخفض وولادات مبكرة، في مشهد مأساوي يعيد إنتاج جيل كامل يعاني من أمراض مزمنة تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد.
وتؤكد تقديرات الأمم المتحدة لعام 2025 أن 16,7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بينما يحتاج 2,45 مليون طفل إلى دعم غذائي عاجل، وقد تضاعفت معدلات سوء التغذية ثلاث مرات خلال السنوات الأربع الماضية، مع ارتفاع حاد في معدلات الأمراض والأوبئة التي تفتك بفئات هي الأكثر هشاشة.
هذه ليست مجرد أرقام باردة، بل هي وجوه أطفال يموتون بصمت، وأمهات تنزفن حياتهنّ دون أن تجد من يوقف النزيف.
هذا لا ينفي جهود جمعية تنظيم الأسرة التي ضاعفت نشاطها عبر عياداتها الثابتة والمتنقلة وبرامجها التوعوية، فهذه الجهود الإنسانية المشكورة ليست بديلاً عن واجب الدولة. فالدولة التي تخلّت عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها، وتركت الملايين فريسة للفقر والمرض، لا يمكنها أن تكتفي بدور المتفرج بينما تعمل الجمعيات على سدّ الفجوات التي صنعتها سياساتها!
فالقطاع الصحي المدمر يحتاج إلى خطة وطنية شاملة وطارئة، لا إلى ترقيع
أو مساعدات إغاثية مؤقتة.
إن استمرار هذه الحال يعني أننا أمام كارثة إنسانية بأبعاد صحية واقتصادية واجتماعية لا تُحمد عقباها، فالجوع وسوء التغذية ليسا مجرد أرقام في تقارير، بل هما قنبلة موقوتة تحت مستقبل سورية وإذا كانت الجمعيات الأهلية تقدم ما تستطيع، فإن الحكومة مطالبة اليوم– وليس غداً– بالتحرك الفوري بحلول جذرية ومستدامة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن يتحول جيل بأكمله إلى شاهد على تقصير لا يُغتفر.