لم يعد الازدحام أمام بعض المخابز في دمشق مجرد مشهد يومي عابر، ولا يمكن تبريره دائماً بزيادة الطلب أو ضغط المواطنين. فالمشهد بات يكشف خللاً واضحاً في تنظيم البيع والرقابة، يترافق في أحيان كثيرة مع تراجع في مستوى الخبز من حيث الجودة والمواصفة والوزن، فيما يتحول الحصول على الرغيف إلى معاناة يومية تستنزف وقت المواطن وكرامته.
وتزداد المشكلة سوءاً مع مزاحمة بعض بائعي وبائعات الخبز للمواطنين، وشراء كميات كبيرة، وما يرافق ذلك أحياناً من تدافع ورفع للأصوات ومشادات وشتائم، خصوصاً عندما يحاول مواطن الاعتراض على تجاوز دوره أو على تمرير بعض المتزاحمين عبر كوات البيع. وهنا لا تعود القضية مجرد فوضى في طابور، بل تصبح سؤالاً مباشراً عن مدى فاعلية الرقابة، وعن وجود ممارسات غير سليمة يجب وضع حد لها قبل أن تتحول إلى أمر واقع.
لا أحد يعترض على رزق البائعين أمام الكوات في ظل انعدام فرص، لكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب المواطن، ولا أن تتحول علاقات البعض أو تسهيلات غير مبررة إلى وسيلة لتجاوز الدور أو الحصول على كميات تفوق ما هو متاح للآخرين.
المطلوب من الجهات المعنية ليس حملات رقابية موسمية أو إجراءات شكلية، بل رقابة ميدانية مستمرة وجادة، ومراقبة حقيقية لآليات البيع، والوزن والمواصفة والجودة، وضبط الدور، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التجاوز أو التسهيل أو الاستغلال، أياً كان موقعه.
فالفساد لا يبدأ دائماً من المخالفات الكبيرة، قد يبدأ بتجاوز صغير يُغض الطرف عنه، ثم يصبح ممارسة معتادة، ثم يتحول إلى حق مكتسب.
المطلوب ببساطة: وضع حد للفوضى والممارسات الشاذة، إغلاق منافذ الاستغلال، ومحاسبة المقصرين، وإعادة الاعتبار لحق المواطن في خبز جيد ودور عادل ومعاملة تحفظ كرامته. فالرقابة الحقيقية تُقاس بما تمنعه وتُحاسب عليه، لا بعدد الجولات التي تُسجّل على الورق.