Skip to main content

حدّث هاتفك أولاً... أما الشبكة فانتظر!

 |  قاسيون  |  محليات

يبدو أن أسهل جزء في تحديث قطاع الاتصالات هو إجبار المواطن على دفع ثمنه. فتعميم الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد بشأن وقف إدخال الأجهزة التي لا تدعم 4G وما بعدها قد يبدو، من الناحية التقنية، خطوة طبيعية نحو التخلص من تقنيات قديمة. لكن من زاوية المستهلك السوري، تبدو الصورة مختلفة تماماً؛ المطلوب منه أن يحدّث جهازه الآن، بينما لا أحد يخبره متى ستُحدَّث الشبكة التي يدفع ثمن استخدامها كل شهر.

في بلد ما زالت فيه مناطق تعاني ضعف التغطية، ومناطق أخرى تختفي فيها الإشارة تماماً، وفي ظل إنترنت خليوي متذبذب وخدمات لا تتناسب أسعارها مع جودتها، يأتي التعميم ليضع عبئاً جديداً على المستهلك؛ هاتف جديد، كلفة جديدة، ومواصفات جديدة، بينما الخدمة التي سيستخدمها بهذا الهاتف لم تتغير بالسرعة نفسها.
المشكلة ليست في 4G، بل في أن يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن الانتقال إليها قبل أن يلمس نتائج هذا الانتقال.
فالمستهلك لا يملك برجاً ليزيد تغطيته، ولا محطة كهرباء ليشغلها، ولا شبكة ألياف ليرفع سعة الإنترنت، ولا صلاحية لتحديد أسعار الاتصالات. لكنه يملك شيئاً واحداً فقط؛ جيبه. ولذلك يبدو الأمر وكأن أسهل حل لمشكلات قطاع الاتصالات هو الذهاب إليه مجدداً.
لكن ماذا عن المشغلين؟ أين الالتزامات الواضحة بتحسين التغطية؟ أين الخرائط الحقيقية للخدمة؟ أين معايير الجودة الملزمة؟ أين الرقابة على السرعة والانقطاعات؟ أين التعويض عندما يدفع المشترك مقابل خدمة لا يحصل عليها بالمستوى المطلوب؟ وأين المنافسة الحقيقية التي تجعل المشغل مضطراً إلى تحسين خدمته وخفض أسعاره خوفاً من خسارة مشتركيه؟
لا يمكن بناء قطاع اتصالات حديث بمجرد تغيير نوع الهاتف الموجود في يد المواطن.
الشبكة الحديثة تحتاج إلى استثمار، وأبراج، وربط، وطاقة، وسعات، ومنافسة، ورقابة ومحاسبة.
أما أن تتقدم التكنولوجيا على البنية التحتية، وأن يتقدم إلزام المستهلك على ضمان حقوقه، فهذه ليست معادلة تحديث عادلة.
من حق الهيئة أن تطلب من السوق الاستعداد للمستقبل، لكن من حق المواطن أيضاً أن يسألها: إذا كان مطلوباً مني أن أشتري هاتفاً حديثاً، وأن أدفع أسعاراً مرتفعة لخدمة الاتصالات، فمتى سأحصل أخيراً على خدمة تليق بهذا الهاتف وهذه الأسعار؟
التحديث الحقيقي لا يكون بإجبار المستهلك على اللحاق بالشبكة، بل بجعل الشبكة هي التي تلحق باحتياجات المستهلك.
وإلا فإننا لن نكون أمام تحديث للاتصالات، بل أمام تحديث لفاتورة المواطن.