Skip to main content

مشاريع الأبّهة العقارية... استمرار الحرب على السوريين بوسائل أخرى

 |  فرح شرف  |  محليات

تتوالى الإعلانات عن مشاريع عقارية «نخبوية»، تحت عناوين برّاقة مثل «إعادة الإعمار» و«جذب الاستثمارات». ففي غضون أشهر قليلة، أُعلن عن سيل من المشاريع الفاخرة التي تُقدَّر قيمتها الإجمالية بعشرات المليارات من الدولارات.

مشاريع النخبة


يتصدر المشهد مشروع «دمشق الجديدة» الذي وقّعه الصندوق السيادي مع مجموعة «أراد» الإماراتية، بقيمة 7 مليارات دولار، على مساحة 4 ملايين متر مربع، غرب دمشق.
ومشروع «شام فيو» في 25 آب، على مساحة 1,78 مليون متر مربع، حيث يبدأ سعر المتر بمبلغ 1200 دولار.
وفي حزيران الماضي أُطلق مشروع «يعفور 963» على مساحة 144 ألف متر مربع في ريف دمشق. وقبله مشروع «أبيات هيلز» بالشراكة مع السعودية في ضاحية قدسيا، على مساحة 380 ألف متر مربع.
وتتوالى المشاريع؛ «ذا بومنت دمشق» بقيمة 300 مليون دولار، و«بوليفارد النصر» في حمص.


إقصاء السوريين


أوضح مدير المؤسسة العامة للإسكان، تمام الدبل، حاجة سورية إلى مليونيّ وحدة سكنية، منها أكثر من 1,3 مليون منزل مدمر.
وهذا الاعتراف الرسمي بحجم الكارثة السكنية التي يعيشها السوريون، هو إدانة صريحة في الوقت نفسه لسياسة الدولة التي تطلق مشاريع سكنية فاخرة، بينما يحتاج الملايين إلى سكن يتناسب مع واقعهم الاقتصادي والمعيشي.
أما الخطة المعلنة لمواجهة هذا العجز، تعتمد وفق الدبل «على الشراكات الاستثمارية، وفتح المجال أمام المستثمرين». أي إن حل أزمة السكن لدى الفقراء هو بناء المزيد من المشاريع الفاخرة للقلّة!


يقولون: «توظيف عوائد»!


تحاول السلطة التغطية على عملية الإقصاء، بالحديث عن «توظيف عائدات» المشاريع الفاخرة لدعم السكن الاجتماعي. فقد صرح الدبل بأن هناك تركيزاً على «استثمار المقاسم الحيوية، وطرح مقاسم استثمارية ذات قيمة عالية (كمقاسم المزة)، وتوظيف عائدتها الضخمة لدعم مشاريع السكن الاجتماعي».
ولكن في هذا الكلام غموض مقصود، لغياب أي معلومات شفافة حول قيمة هذه العائدات، ولا يقابل الأسئلة سوى أجوبة تزيد الواقع غموضاً:
- كم تبلغ قيمة هذه العائدات؟ لا يوجد رقم، ولا تقدير، ولا خطة مالية.
- كيف ستُحتسب؟ لا توجد آلية محددة.
- ما هي النسبة المخصصة من هذه المشاريع للسكن الاجتماعي؟ لا جواب.
- من سيراقب توزيع هذه العائدات؟ لا توجد جهة رقابية مستقلة.
هذه العبارات باتت تُستخدم لتبرير سياسة حرمان السوريين من حقوقهم، وتجميل وجه مشاريع النهب الريعية. فمن دون أرقام واضحة وآليات شفافة، يبقى الحديث عن «توظيف العائدات» وعداً من دون سند، يمكن التلاعب به وتوجيهه وفق مصالح حيتان المال.


هل تملك مؤسسة الإسكان تعريفاً حقيقياً «للمسؤولية الاجتماعية»؟


عندما يصبح هذا التوجه هو «توجه الدولة في ملف السكن»، يصبح كلام المؤسسة عن «المسؤولية الاجتماعية» محض بيع للهواء. فالمسؤولية الاجتماعية لا تعني بناء مدن فاخرة ومسوّرة لقلة قليلة من الأثرياء، ثم التحدث عن «مدينة مقابل مدينة» من دون أي تفاصيل. المسؤولية الاجتماعية تعني:
- تخصيص أرض حقيقية لبناء سكن اجتماعي؛ وهي موجودة، وبكثرة.
- وضع برامج زمنية واضحة لاستكمال وإنهاء مشاريع السكن الشبابي والعمالي السابقة، من دون تحميل المكتتبين أقساطاً ما أنزل الله بها من سلطان.
- حلّ مشكلات المخططات التنظيمية في المناطق المتضررة مثل القابون وجوبر والعسالي، وغيرها من المناطق في دير الزور وحمص ودرعا، والسماح لأهلها بترميم منازلهم.
لكن لا شيء من هذا يحدث، وعوضاً عن ذلك نرى تأخيراً متعمّداً في حل مشكلات المخططات التنظيمية، ما يبقي المناطق المتضررة في حالة جمود تمهيداً لاستغلالها «واستثمارها» لاحقاً.
وغياباً تاماً لأي مشروع سكني اجتماعي جديد؛ وتكريساً لاقتصاد النخبة.


تكريس الريع على حساب التنمية


المشكلة الأكبر أن هذه السياسة لا تقتصر على إقصاء السوريين عن حقهم في السكن؛ فهي تكرس اقتصاد الريع والمضاربة على حساب المشاريع المستدامة والنهوض بالقطاعين الصناعي والزراعي.
فبدلاً من توجيه الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل حقيقية – وليست خدمية على أبواب العمارات – وتحسّن مداخيل الأسر، فإنها توجَّه إلى العقارات الفاخرة التي تجمّد السيولة في أصول غير منتجة.
وفي الوقت الذي تُحشَد فيه مليارات الدولارات لمشاريع النخبة، يبقى القطاعان الصناعي والزراعي في حالة من التهميش. فبينما يُصرَّح بأن «القطاع الصناعي والزراعي يحتاجان إلى الخبرات للعودة إلى النهوض»، لا نرى أي مشاريع استثمارية كبرى في هذين القطاعين الحيويين، باستثناء بعض المشاريع المحدودة، مثل «الدعم الزراعي للمزارعين في محافظتي الرقة ودير الزور». بميزانية لا تتجاوز 1,9 مليون يورو.
وما يثير السخرية فعلاً أن هذا «الدعم» هو عبارة عن منح دولية، لا علاقة للسلطة به لا بالتخطيط ولا التمويل، ولا حتى بالشراكة!


اصطفاف الدولة... ولكن مع مَن؟!


لم يعد يمكن إدراج ما يحدث من «حمّى استثمارية» وسعي محموم وراء مشاريع الريع والأبهة، بأنه «سياسة اقتصادية»؛ وأصبح يرتقي إلى فضيحة أخلاقية وسياسية تعكس تبنّياً واضحاً لسياسات تنحاز لمصالح المتربحين، وتُعلي منطق الربح على حساب العدالة الاجتماعية.
فالدولة التي يُفترض أن تكون حامية لمصالح المواطنين، تتحول إلى «وسيط عقاري» يسهّل صفقات الريع والإثراء على حساب الغالبية الساحقة من الشعب.
ويُشكل غياب مشاريع السكن الاجتماعي، وتأخير المخططات التنظيمية، وإطلاق مشاريع النخبة من دون أي شفافية حول عوائدها، أدلة دامغة على أن الدولة اختارت خندقها، لكن هذا الاختيار لا يلغي حقيقة أن حق السكن هو حق أساسي لكل مواطن؛ «فإعادة الإعمار» إن لم تكن للجميع، فهي ليست إعماراً، وإنما استمرار للحرب بوسائل أخرى.