Skip to main content

لا تنتظروا جداراً آخر كي تتحركوا

 |  قاسيون  |  محليات

في الثاني من أيلول 2026، سقط جدار في منزل ببلدة حاس بريف إدلب، بينما كان صاحبه يقوم بأعمال ترميم، فسقط معه ما هو أثقل من الحجارة؛ حياة إنسان. أُصيب الرجل وزوجته تحت الأنقاض، ثم فارق الرجل الحياة متأثراً بإصاباته، في حادثة مؤلمة كان يمكن أن تمر كخبر عابر لولا أنها تفتح مجدداً ملفاً أكبر بكثير من حدود منزل واحد أو عائلة واحدة.

فهذه ليست الحادثة الأولى من نوعها. قبلها سقطت جدران وأسقف في أبنية متضررة، وأصيب مدنيون وفقد آخرون حياتهم، فيما لا تزال آلاف المنازل في المناطق المتضررة تقف شاهدة على سنوات الحرب والزلازل والإهمال، وتنتظر قراراً هندسياً أو تدعيماً أو إعادة تأهيل. وبين منزل وآخر، يبقى الخطر قائماً، وقد يتحول في أي لحظة إلى مأساة جديدة.
المشكلة أن الجميع يعرف ذلك. الجهات المعنية تعرف، والبلديات تعرف، والمهندسون يعرفون، والسكان يعرفون، وحتى البيانات الرسمية نفسها تحذر من خطورة دخول الأبنية المتضررة أو البدء بترميمها قبل التأكد من سلامتها. لكن ماذا بعد التحذير؟
هل يُطلب من المواطن الذي لا يملك ثمن الإيجار أن يترك منزله؟ هل يُطلب ممن يعيش وسط الركام أن ينتظر إلى أجل غير مسمى؟ وهل يكفي أن نقول له «لا تقترب» من دون أن نوفر له بديلاً آمناً، أو كشفاً هندسياً، أو دعماً لترميم منزله بطريقة صحيحة؟
التعاميم والتحذيرات مهمة، لكنها لا تبني جداراً أكثر أماناً، ولا تدعم سقفاً متصدعاً، ولا تنقذ إنساناً من تحت الأنقاض. والأخطر أن تتحول هذه التعاميم إلى ذريعة لإلقاء كامل المسؤولية على المواطن، وكأن من يضطر إلى ترميم منزله هو من صنع الخطر الذي يحيط به.
الاستجابة بعد وقوع الكارثة ليست إنجازاً بحد ذاتها. أن تصل فرق الإنقاذ بعد انهيار الجدار أمر ضروري وإنساني، لكنه لا يعفي الجهات المسؤولة من السؤال الأهم: لماذا لم يُكتشف الخطر قبل الانهيار؟ ولماذا لا توجد آلية فعالة ومسؤولة لمسح الأبنية المتضررة وتصنيفها، وإلزام أصحاب الأبنية الخطرة بتدعيمها، ومساعدة غير القادرين منهم؟
في كل مرة يسقط فيها جدار وتُنتشل منه جثة أو مصاب، نعيد المشهد ذاته: بيانات، تعازٍ، تحذيرات، ثم صمت. وبعد أيام يعود الناس إلى حياتهم، فيما تبقى الجدران المتصدعة في أماكنها، وكأننا ننتظر فقط الحادثة التالية.
حادثة حاس ليست مجرد مأساة عائلية؛ إنها إنذار جديد. وإذا لم تتحول التحذيرات إلى عمل، والكشف الهندسي إلى خدمة حقيقية، والتدعيم إلى أولوية، فإن الكارثة المقبلة ليست احتمالاً بعيداً، بل موعد لم نعرف تاريخه بعد.
لا تنتظروا جداراً آخر كي تتحركوا. فحين يسقط الجدار، يكون الوقت قد فات.